بسم الله الرحمن الرحيم

 

استفتاح:

الغيب علم اختص به الله من دون خلقه من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين والناس أجمعين يقول تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) النمل الآية65.

ولكن الله يحيط بعض عباده بالكشف والإخبار بمشيئته يقول تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) البقرة الآية 255.

وفي الحديث القدسي رواية البخاري (كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه). وفي الحديث الشريف الذي  رواه أحمد (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو أعلمته أحداً من خلقك..) وفي الحديث الشريف رواية البخاري (لقد كان فيما كان قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن أحد من أمتي فإنه عمر).

فمن حدثه الله علم بمشيئته ما كان وما سيكون بما قسم الله له من الأسرار، ومن كان سمعه بالله سمع خطرات القلوب والسر وأخفى، ومن كان بصره بالله رأي ما فوق السماوات وما تحت الثرى ويقرأ ما في اللوح المحفوظ يقول تعالى: (..إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) المطففين الآية 18-21.

ومن مشى برجل الله طويت له الأرض أو سار بالخطوة فقد طويت الأرض لعفريت الجن (أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ) النمل الآية 39. ومشى بالخطوة الذي عنده علم من الكتاب (أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) النمل الآية 40. وقرأ خلجات نفس موسى العبد الصالح وما يحدث منه في صحبته في المستقبل الغيبي (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) الكهف الآية 67.

لقد ذكر الله قصصهم للعِبرة فعندما يتحدث أحد عن هذه العلوم لا تنكروا عليه فأنتم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكرم الأمم عند الله فحسنوا ظنكم بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير. روي نعيم بن حماد عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الله رفع إليَّ الدنيا فأنا أنظر إليها وإلي ما هو كائن فيها إلي يوم القيامة كما أنظر إلي كفيِّ هذه جليان من الله جلاه لنبيه كما جلاه للنبيين قبله).

تحذير وتبشير:

أصيبت الأمة الإسلامية بغرور لأنهم يقولون: (نشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ونصلي ونصوم ونحج ونزكي وأن القرآن حق منزل من عند الله وهذا يكفينا إيماناً عن إتباع المهدي أو عيسى ابن مريم) وهذا الغرور مردود بالقرآن والسنة. لقد نص القرآن صراحةً أن الأمة سوف ترتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالي: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) آل عمران الآية144. وفي حديث الفتن :(إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير-بعثة النبي صلى الله عليه وسلم- فهل بعد هذا الخير من شر؟. قال: نعم). هذا الشر بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هو انقلاب الأمة علي أعقابها بعد وفاته بالردة. ولا يعيد الأمة إلي الإسلام إلا عيسى ابن مريم المهدي قال صلى الله عليه وسلم: (ويدعوا الناس إلي الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأبن ماجة واحمد. وهو- أي عيسى- من عترته وأهل بيته قال صلى الله عليه وسلم :(هو رجل من عترتي يقاتل علي سنتي كما قاتلت أنا علي الوحي) أخرجه نعيم بن حماد.وذلك بالشواهد الآتية:

قال الدكتور عبد الرحمن بدوي في الإنسان الكامل ص 198. نقلاً عن (المواقف الإلهية) لابن قضيب البان :(ثم كشف لي عن أسرار القرابة والرقائق الرابطة فيها...وقال لي وبه القسم في (بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) البلد. وكشف لي عن شخص المسيح, فالمسيح بالكشف الرباني هو المهدي الفاطمي المولود في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كان عيسى ابن مريم لا أب له علي الحقيقة جاء نسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن(وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) هذا عن طريق الكشف ولا معنى ظاهري لهذه الآية غيره. أما عن طريق التشريع الظاهري الأصولي أيضاً هو قائم أهل البيت عند علماء الشريعة قال الدكتور عبد الرحمن بدوي في الإنسان الكامل ص 125: (...أما فيما يتصل بالقائم فقد أجمع أهل السنة أولاً أنه هو عيسى الذي سيعود ظافراً... أو زعيماً لا يقهر تهبط عليه روح عيسى وتهتدي بهدايته... وفقاً للحديث المشهور...(لا مهدي إلا عيسى)).

وذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي في معني الحديث عن جماعة من العلماء قال في الإنسان الكامل ص126: (كل أولئك الذين كانوا يرون أن هذا الحديث معناه أن عيسى روح الله هو الشيخ الهادي إلي الطريقة المثلى في الحياة).

أقول: وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث (يقاتل علي سنتي... كما قاتلت أنا علي الوحي) دلالة علي ردة الأمة عن الإسلام ولا يعيدها إلا عيسى ابن مريم المهدي البيتي، وقوله (يهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام) دلالة علي أن لا إسلام إلا لمن آمن به وأتبعه ومن خالفه وكذبه كفـر قـال تعالـي: ( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)آل عمران الآية55. وعيسى المذكور في هذه الآية هو عيسى مهدي هذه الأمة. عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كذب بالدجال فقد كفر ومن كذب بالمهدي فقد كفر) أخرجه ابوبكر الإسكافي.

ضعّف العلماء هذا الحديث ولكن لا يضر التضعيف معني الحديث فقد ذكرت الأحاديث الصحيحة خروج المهدي خليفةً لله ومن كذب ما صح عن رسول الله فقد كفر بلا خلاف بين العلماء.

                      (...فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ...)..          

 مقدمة:

بسم الله المعبود وحده بلا شريك إليه أدعو وإليه أنيب واصلي وأسلم على محمد النبي الخاتم الداعي إلي الله بإذنه وبه اقتدي وعلى منهاجه أسير.

أما بعد:

عندما أعلنت للناس عام 1981م باني أنا المسيح عيسى ابن مريم المهدي المنتظر لم أكن ملمّاً بالأحاديث التي تثبت صحة دعوتي ولم يُكشف لي عن معاني الآيات التي تؤكد ذلك ومع ذلك فاني علي بينة من أمري وان كنت قد نسيت معظم أحداث عهد النبوة في بني إسرائيل علي الرغم من إطلاعي علي الأناجيل إلا أنني لا اعتمد عليها في ذلك بل اعتمد علي ذاكرتي وهي أصدق شهادة لي عند الله, ومما أذكر من عهد النبوة حادث الرفع والموقع الذي رفعت منه إلى الله وكأني انظر إليه الآن وأنا علي يقين من أني أستطيع التعرف عليه إن لم تعف آثاره الليالي أو تغير ملامحه صناعة التعمير وأذكر أيضاً خطاب الحق عزّ وجلّ لي: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) المائدة الآية 116. ولم أتذكر بم رددت علي هذا السؤال مع أني اقرأ رد ذلك في القرآن.

 وهناك أشياء يطلع الله الناس عليها ومنها ما ذكره عمي مدني حمدان عبد القاسم قال: (كان سليمان صغيراً يلعب وحده بالقرب من (الجُرْف) بحر العرب فوقع علي الأرض وصرخ فزعاً فهرع أبوه إليه إلا أن هنالك رجلاً - سماه باسمه- سبق والده إليه ورفعه من الأرض وقال: مالك ؟. فقال سليمان: أتاني الملك جبريل. وحدث سليمان عن جبريل بكلام لم يفهمه الرجل، وفي هذه الأثناء وصل والده فاخبره الرجل بما قال سليمان فقال والده للرجل: اكتم هذا ولا تحدث به).

لقد كان لهذا الحدث أثره العميق في نفس عمي مدني فكان الرجل الوحيد من آل أبي شعر الذي جمع لي من كان موجوداً من أبنائه وبناته في بابنوسة متحدثاً عن نفسه وعنهم فقال لي: (أنا وأبنائي معك).

 لقد صحبت مقدم الطريقة التجانية الشيخ (علي أحمد طه) في رحلتي إلي نيجريا عام 1980م وعندما عاد إلي المجلد أخبر تلاميذه ومريديه وقال لهم: (السير الذي يقطعه السالكين  في المعرفة في عشر سنوات يقطعه سليمان  في سنة).

وفي رحلتي إلي نيجيريا التقيتُ بصاحب الشيخ إبراهيم الكولخي الشيخ الحافظ والمعمَّر (105) سنة يعقوب شيبون من مالي-  وصحبته  من الضعين  وفي صلاة  المغرب في نيالا تقدم للصلاة ونظر إلي الصفوف خلفه فرآني ولم تكن له سابق معرفة بي فأخذ بيدي وقدمني للصلاة وتخلف في مكانـي فقلت له: (أنا أكرم شيبتك فقال لي: أنا لا أصلي بك إماماً) فكررت مقالي وكرر مقاله ولما رأيت إصراره خرجت من المصلى وتواريت خلف المباني المجاورة ولم أعد إلا بعد أن أحرم للصلاة، فكنت بعد ذلك لا أحضر إلي الصلاة إلا بعد أن يحرم بها.

وطالت الرحلة حتى وصلنا إلي وسط تشاد فقلت في نفسي أظنه كوشف بمقامي في لحظة جذب وقد مضي، فحضرت الصلاة وكانت صلاة عصر فكرر ما حدث في نيالا فخرجت من المصلى ولم أعد إلا بعد إحرامه بالصلاة .

هذه الوقائع شاهد عليها الشيخ عليُّ احمد طه والشيخ محمد مضوي رحمه الله والشيخ عثمان بروة كان حاضراً في صلاة المغرب بنيالا وآخرون.

أما فيما يخص نسبي لآل البيت فإني لم أعتمد علي النسب المكتوب فحسب بل بالكشف الرباني وأذكر من ذلك:

في شهر فبراير 1980م ربيع الأول 1400هـ وأنا في مدينة مَيْدوُقري النيجيرية (وجدت نفسي في مشهد مهيب بالجلال ووجدت الإمام علي بن أبي طالب وعلى يمينه الحسن وعلى يساره الحسين وخوطبت من عالم الغيب: قم إلى جوار جدك فمشيت حتى وقفت إلى جوار الحسن).

وعدت من مَيْدوُقري إلي (مرجو) قرية الشيخ عليَّ بتشاد (فشاهدتُ الرسول صلى الله عليه وسلم في اليقظة التامة بجسمه الآدمي ثم تحول إلى نور خالص وتجمع نوره في أخمص قدميه ودخل في رأس أول جد لي وتحول جسمه بنور النبي إلى نور خالص وهكذا تنقل نور النبي صلى الله عليه وسلم في أجدادي حتى وصل إلى أبي عبد القاسم وتجمع  في أخمص قدميه وانطفأ ولم يصلني فأخذتني الحسرة فقلت بصوت جهور لا  حول ولا قوة إلا بالله نور الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصلني؟  وأنا في حسرتي هذه فإذا بي أرى النبي ثانية، فتحول جسمه  إلى نور خالص، كما سبق وتجمع في أخمص قدميه ودخل إلي رأسي وسرى في جسدي حتى حوله إلى نور خالص فقلت الحمد لله ).

إلي الغرب من قرية (مرجو)  وعلي بعد خمسة عشر كيلومترات تقريباً يوجد ماء اسمه (كشاكو) وكنت  نائماً  في قيلولة  في شهر مارس  1980م (فخرج  نور من (كشاكو) حتى دخل  علي الحجرة وأيقظني من نومي. تكرر ذلك في اليوم التالي وبنفس الطريقة وفي ذات ليلة كنت جالساً أُسبّح الله فرأيتُ نور أبي يخرج من مقابر احمد شرفي بامدرمان ويرتفع إلي السماء  وينحني علي هيئة  قوس قزح وينزل في (كشاكو) من خلفي فكنت أنظر إلى قبر أبي في امدرمان أمامي وإلى (كشاكو) خلفي).

وفي ليلة بعدها في منتصف الليل وأنا في حالة ذكر (تظهر لي نجمة فوق سماء (كشاكو) وكنت أنظر إليها من خلفي من غير أن أدير إليها وجهي فقالت لي النجمة (ذاك جدك أمشي زوره) فأدرت إليها وجهي فاختفت فأيقنت أن كشاكو هذا هو أحد أجدادي). وفي الصباح سألت سكان (مرجو) هل تعرفون سبب تسمية ذاك الماء بكشاكو؟ فقالوا: لا. قلت لهم: دلوني على السكان الأصليين بكشاكو فذهب معي إلى (كشاكو) شعيب أحمد وبتنا على مشارف (كشاكو) وبعدما استيقظت لصلاة الفجر (رأيت جدي (كشاكو) يقظة فقلت له عندي جد هنا جئت لزيارته فضمني إلى صدره وقال: أنا الشريف (كشاكو) وفي نفس اللحظة رأيت نفسي إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم يقظة وكنت على يمينه وكشاكو أمامه وتنفصل بضعة عن جسد النبي صلى الله عليه وسلم وتسبح في الفضاء وتلتصق بجسد كشاكو وتذوب فيه) فتأكد لي أن أسرتي تنتسب إلى بيت النبي الماء والطين بهذا المشهد والذي قبله.

وواصلنا السير إلى (كشاكو) ودلني الناس على رجل اسمه محمد من (أولاد بور) من السكان الأصليين وكان ذا معرفة بتاريخ البلد فقلت له: ( لماذا سمي هذا المكان بكشاكو؟ فقال: لا أدري. قلت: ماذا تعرف عن تاريخ هذا المكان؟ فقال: لقد سكنت (خريش) في هذا المكان وأسسوا سلطنة في الماضي- وأشار إلىًّ الحاضرون على موضع يعتقد الناس أنه مكان قريتهم ويستدلون على ذلك بأنهم كانوا يعثرون على أواني فخارية ومعدات منزلية تحت التراب عندما يحفرون ذلك المكان لآبار الشرب. فقلت لهم (وما خريش) ؟. فقال رجلٌ كان جالساً إلى جوار محمد: (خريش تعني قريش، لأن هذه البلد سكنها الأشراف وأسسوا فيها أمارة). وأشار لي الناس إلى موقع في الجنوب الغربي وقالوا: (ذاك كشاكو السنطة وذاك كشاكو بحيرة في قوز إلى جهة الشمال الشرقي).

أما المرة الثانية فقد ذهبت الى كشاكو ومعي محمد مسار

وعندما عدت إلى بابنوسة أخبرت أهلي بذلك فقال عمي رحمه يونس (بحير في قوز) هو قبر جدنا كشاكو.

هذه شواهد موثقة من الرسول صلى الله عليه وسلم فضلاً عن النسب المكتوب الذي يثبت نسبي إلى الحسن والحسين أبناء علي كرم الله وجهه وآل بيت النبي الكريم صلى الله عليه وعلي آله وصحبه وسلم.

إن ما ذكرته في هذه المقدمة هو من العلوم الخاصة ولا تقوم به حجة عند العامة وإنما هي فتوحات ربانية ليثبت الله بها فؤادي عندما أتعرض في الدعوة لجهالة ألحمقي وبطش الجبابرة واستهزاء السفهاء وازدراء كل متكبر.

لأنني على بصيرة من أمري ويتلوني شاهد من كتاب الله وسنة رسوله هما محجتي إلى الله وحجتي على الناس في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد والله بصير بالعباد.

خليفة الله في الأرض ومراتب الخلفاء المهديين:

خلق الله سبحانه وتعالى الخلق لعبادته وعرفهم بذاته، وفطرهم على معرفته  لتكون عبادة الله عن علم. فمعرفة العبد بالمعبود أهم شرط في صحة العبادة، فكل مخلوق يعرف خالقه منذ التكوين. وقد عبَّر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( كل مولود يولد علي الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) رواه مسلم والبخاري عن أبي هريرة. فالإنسان هو أكمل خلق الله، لأنه مرَّ بجميع أطوار ما خلق الله، وبعض المخلوقات أوقف الله خلقها في مراحل متخلفة وبدائية يقول تعالى: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) السجدة الآية 7.

ومن المعلوم أن السموات والأرض من طينة مشتركة يقول تعالى: (.. أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا..) الأنبياء الآية 30. ومرَّ الإنسان بطور الماء قال تعالي: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) المرسلات الآية20. وتخطى الإنسان هذا الطور بالإنبات يقول تعالى: (.. وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) نوح الآية 17. وإجتاز هذه المرحلة إلى مرحلة أرقى منها يقول تعالى: ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) الأنعام الآية 38. وهي إشارة إلي المرتبة الحيوانية من أطوار خلق الإنسان.

وأجمل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق حين قال: (ألا كل شيء خلق من ماء). وأجمله الله سبحانه وتعالى بقوله: ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) النور الآية 45. وقال تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) الأنبياء الآية 30. وأفرد الإنسان بطور لم يصل إليه باقي المخلوقات يقول تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ) المؤمنون الآية 12-14.

وخصوصية الإنسان تكمن في قوله تعالى: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) التين الآية 4. وإلى هذا الخلق الآخر يشير قوله تعالى: ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل الآية 78. فأفرد الله الإنسان بخصائص لم تكن لغيره من المخلوقات، أي لم تجمع في غيره لتمام أطوار الخلق فيه، وهى التي بموجبها كان وحده كفيلاً بحمل أمانة الله يقول تعالى: ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب الآية 72. فالإنسان ظلم نفسه وجهل قدرها، لأنه تحمل مسئولية النيابة عن الله في خلقه، إلاّ أن الله قد خصه وأهله لذلك.

ولما قال الله تعالى للملائكة: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) البقرة الآية30. خص الله خليفته في الأرض بعلوم لا يعلمها الملائكة (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا) البقرة الآية 31-32. وقد أكدت السُّنة أن هذه الخلافة لا تقف عند انتهاء النبوة وختمها برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبيُّ خلفه نبيُّ وأنه لا نبيَّ بعدي وأنه سيكون خلفاء كثيرون) رواه البخاري ومسلم. ووضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء الخلفاء كلهم من قريش، بنص الحديث الشريف (يكون إثناء عشر خليفة كلهم من قريش) رواه البخاري ومسلم. من هؤلاء الخلفاء المجدد الذي يظهر في رأس كل قرن من الزمان في الحديث الشريف (إن الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)رواه ابوداوود. وآخر الخلفاء هو عيسى ابن مريم لأنه أحد هؤلاء الخلفاء قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إن عيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبيُّ ولا رسول ألا إنه خليفتي في أمتي من بعدي) أخرجه الطبراني. وبما أن كل خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش فعيسى قرشيٌ أيضاً. ولما كان المهدي فاطمي من آل البيت ولا خلاف بين العلماء أن عيسى هو مهديُّ بنص السُّنة - الحديث الشريف- (ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم) رواه ابن ماجة. ووثقه ابن كثير في كتابه الفتن وهذا يؤكده قوله صلى الله عليه وسلم: (يوشك من عاش منكم أن يلقي عيسى ابن مريم إماماً مهدياً) رواه احمد.

هذا تأكيد أن عيسى قرشي من آل البيت. ومما يؤكد معني الحديثين السابقين قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤدي عني إلاّ رجلٌ من آل بيتي) البداية والنهاية لأبن كثير ج5 ص34. وبما أن عيسى يعود مهدياً لا نبياً، لختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه يؤم الناس بالقرآن وسُّنة النبي الكريم. يقول صلى الله عليه وسلم:  (ثم يجيء عيسى ابن مريم من قبل المغرب مصدقاً بمحمد وعلي ملته) رواه احمد. وهو مبلغ عنه(علي ملته) ولا يكون إلا من أهل بيته صلى الله عليه وسلم بنص الحديث السابق والمعني الوحيد لقوله (لا يؤدي عني إلا رجلٌ من آل بيتي) هو أنه لا مهدي إلا وانه من آل البيت. ومن عترته صلى الله عليه وسلم.

وقد فهم الصحابة ذلك والتابعين وكل السلف. فمناسبة الحديث شارحةً  له. والمناسبة أنه صلى الله عليه وسلم عيّن أبابكر الصديق أميراً للحجيج  ذلك العام، وعندما سار ابوبكر بالحجيج إلى مكة، نزلت سورة براءة على رسول الله وأمره ربه أن يبلغها إلى الناس يوم الحج الأكبر، فأمر علياً أن يبلغ هذه  الآيات  مباشرة في الموعد المحدد. فأشار إليه بعض الصحابة أن يأمر أبابكر بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤدي عنى إلا رجل من آل بيتي) وهنا حقيقة يجب ملاحظتها، لاعتقاد بعض الناس أن المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم :(سلمان منّا آل البيت) هو سلمان الفارسي، هذا كلام لا أساس له من الصحة، يدحضه هذا الحديث. وإلا فما السبب الذي يجعل سلمان الفارسي من آل البيت وينفى أن يكون ابوبكر الصديق من آل البيت؟! بل إن سلمان هذا اسم خليفة مهدي من آل البيت. بيت النبي الماء والطين. فعَّرض بسلمان الفارسي في مناسبة الحديث وقصد سليمان المهدي الفاطمي.

ولما آخى النبي صلى الله عليه وسلم  في المدينة بين المهاجرين والأنصار، وكان يؤآخي بين كل مهاجر وأنصاري، إلا أنه وضع كفه على كف عليِّ وقال: (هذا أخي) وهذه الأخوة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين علي بن أبى طالب، هي ما أشار إليها الحديث الشريف: (وا شوقاه لأخواني الذين لمَّا يأتوا بعد، فقالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال:بلى أنتم أصحابي). وإلى هذه الأخوة أشار النبي بقوله: ( الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتىّ ودينهم واحد وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي) رواه أحمد.

 فخلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في مرتبة الصحبة، أما خلافة علىّ بن أبى طالب خلافة أخوة عند الله تعالى، وهى ما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المؤاخاة، وتبليغ سورة براءة وحديث: (أنا مدينة علم وعلىُّ بابها) أخرجه الحاكم في المستدرك والسيوطي في الجامع الصغير. وعليُّ هو الخليفة الوحيد من لأربعة الذي يصح أن يطلق عليه لقب خليفة الله والبقية خلفاء رسول الله، وعليه يكون معنى (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم) أن عيسى من آل البيت. بيت النبي الطيني، والله تعالى يقول: ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) الأحزاب الآية6. هذه الآية تنفى أن يكون المقصود بحديث (سلمان منا آل البيت) هو سلمان الفارسي، فسلمان الفارسي من المؤمنين، والإيمان وحده لا يؤهله ليكون من أهل البيت، وقد شاركه أبوبكر الصديق في صفة الإيمان ولم يكن من أهل البيت. فأول المهديين عليُّ بن أبي طالب وآخرهم عيسى ابن مريم، وكلهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الماء والطين.

فإن أبابكر وعمر وعثمان مهديون حكماً أما علىٌّ فهو المهدي شرعاً وكثير من المهديين شرعاً لا يحكمون في الظاهر كما لم يكن لأنبياء من قبل حكم في الظاهر كنبي بني إسرائيل الذي طلبوا منه أن يبعث لهم ملكا وكذلك كان حال أنبياء بني إسرائيل الذين وقعوا في الأسر وأيضاً كان يحي وعيسى في بني إسرائيل وكان علي بن أبي طالب على منهاجهم ولذلك تجده تعثر عندما تولي الحكم ولم يستقم له. ولم يستقم الحكم لكثير من المهديين بعده، والذي يملك من المهديين من آل البيت في آخر الزمان هو عيسى ابن مريم وهو سليمان أبو القاسم موسى. 

 فخليفة الله الذي من آل بيت النبي الماء والطين هو الذي يعود بالناس إلى الإستقامة على سنته صلى الله عليه وسلم لتحقيق الإيمان الكامل والعودة إلى الفطرة. يقول تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)الروم الآية 30. فالإنسان في أطوار خلقه الأولى مثل الماء والطين والنبات والحيوان، عارف بالله بالفطرة كسائر المخلوقات، أما عند اكتمال خلقه بنضوج الفكر، ينقطع علمه بالله لأن فكره يسيطر على اعتقاده، إلاّ أنه يظل في باطنه يعبد الله مثل باقي المخلوقات الأخرى من دون شعور منه بذلك بدليل قوله تعالى: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)الإسراء الآيـة 44. وقولـه: ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ)الرعد الآية15.

فالإنسان في هذا الخلق الأول عارف بالله عابد له وموحد بفطرته، لذلك لم تكن هناك ضرورة لبعث خليفة، ولم يكلف قبل اكتمال فكره (ببلوغ الرشد) فعند ذلك يبتعد عن الفطرة ويحجب عن معرفة الله، فيحتاج إلي مرشد يعرفه بربه، ويلاحظ ذلك في أطواره صلى الله عليه وسلم وهو المثل الأعلى لنا من أنفسنا فقد احتجبت عنه معارفه بالله حتى أرسل الله إليه الملك جبريل رسولاً بالوحي ليذكره بعهده الأول وفطرته السليمة يقول تعالى: ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) الضحى الآية7. وقوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) الشورى الآية52. وقوله تعالى: ( وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) القصص الآية86. وعندما تذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأته الأولي قال: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين) فكان صلى الله عليه وسلم أول من عبد الله ووحده، يقول الله تعالى على لسان نبيه: ( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) الزخرف الآية 81. من حيث الزمن لا المرتبة فحسب، ويؤكد ذلك قوله تعالـى: ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) الأنعام الآية14. فإسلامه صلى الله عليه وسلم كان قبل آدم والخلق أجمعين. ومثال ذلك قول نوح عليه السلام (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) يونس الآية 72.

فكل خليفة لله سواء كان نبياً أو رسولاً قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، أو مهدياً بعده، فانه يمر بأطوار تلك المراحل التي خطاها صلى الله عليه وسلم مع التفضيل الذي خص الله به بعضهم علي بعض يقول تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) البقرة الآية253. ويقـول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) الأنعام الآية165. فمهمة الخليفة أن يتعامل مع الخلق على كافة المستويات، يقول صلى الله عليه وسلم: (نحن معشر الأنبياء أُمرنا أن نخاطب الناس علي قدر عقولهم) أو كما قال.

وعقول الناس حددتها الآية: ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء الآية 36. وهى مُرَتَّبة وفقاً لدرجات الإيمان المحددة في الآية: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) النساء الآية69. فكل مرتبة علم يختص بها عقل مميز ومنفصل عن الآخر تماماً.

فعقل السمع هو الفكر الذي يدرك المحسوسات الظاهرية وهو علم اجتهادي مكتسب يقول تعالى: ( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) العلق الآية4-5. فأصحاب هذه المرتبة هم أيضاً على درجات متفاوتة، فمن كان في مرتبة السمع فهو العاقل الذي يدرك بالحواس الظاهرية المحسوسات ويميزها. ومن كان في مرتبة البصر، فانه يميز المحسوسات وظواهر الأشياء  بطريقة أكثر ذكاء وفطنة. ومن كان في مرتبة الفؤاد، فهو العبقري الذي يحاول اكتشاف خصوصيات ظواهر الأشياء، ويستنتج من المقدمات النتائج والعكس من النهايات البدايات وصاحب هذه المرتبة يمكنه أن يتعلم القرآن وقد يصل إلي مرتبة الفتوى في العلوم الدينية حتى ولو كان غير مسلم، لان ما يقيده الفكر هو علم العامة، والإنسان  في هذه المرتبة يكون مسلماً  إذا حصل له اقتناع فكري بالإسلام، ويكون محسناً إذا اخلص في دينه، ومسلماً(الإسلام النهائي) إذا سلم المسلمون من يده ولسانه. وهذه هي المرتبة العامة في الدين. وهي مرتبة العلوم السماعية الظاهرية. وهى مرتبة الأصوليين من هذه الأمة -حسب الاصطلاح الفقهي- فمبلغ علمهم من الدين أصوله. وهو الحد الأدنى من التشريع والدين، والذي لا يصح بترك أو هدم ركن من أركانه، يقول صلى الله عليه وسلم: (بنى الإسلام علي خمس شهادة أن لا اله إلا الله، وان محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) متفق عليه. فكل هذه الأركان يمكن تعلمها بالسماع وتعليمها بالقلم ما دام الإنسان غير مختل العقل أي- العقل المفكر والفكر الإرادي- أما المرتبة الثانية هي مرتبة البصر، ومركز عقله القلب. فالعلم هنا بالإلهام الرباني، والعلم هنا ليس اجتهادياً مكتسباً بالتعلم، لكن بالمنة الربانية، فهو يتخطى المحسوسات إلي مسائل غيبية، فوق طاقة اجتهاد الإنسان وكسبه. وهو المعبـر عنـه فـي الآية: ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)الكهف الآية65. وهى مرتبة الإيمان، وأصطلح الناس علي تسمية أصحاب هذه المرتبة بـ(الصوفية) والصفة المميزة لأصحاب هذه المرتبة المحبة الخالصة لله ورسوله وآل بيته صلى الله عليه وسلم. قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) متفق عليه.  قال عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلاّ نفسي فقال: (والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال عمر: فإنك الآن أحب إلىَّ من نفسي. فقال: الآن يا عمر) رواه البخاري. ومحبة أبى بكر الصديق رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم تذهله عن يوم تذهل فيه كل مرضعة عمَّا أرضعت، بل حتى عن الجنة وطيبها. فقد قال صلى الله عليه وسلم بما يفيد: (أتاني جبريل فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله وددت أنى معك حتى انظر إليك) وقد فرح الصحابة رضوان الله عليهم أشد الفرح عندما أقبل أعرابي فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال صلى الله عليه وسلم:( إنها كائنة، فما أعددت لها؟. فقال الرجل: والله يا رسول الله لم اعد لها كثرة صلاة ولا عمل، ولكني أحب الله ورسوله، فقال: أنت مع من أحببت) متفق عليه. فأصحاب هذه المرتبة لا يقعدون عند أركان الإسلام ومرتبة الأصول، لأنها هي مرتبة العامة والحد الأدنى من التشريع، ولكن يتقربون بالنوافل.

وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم النوافل علي الإطلاق لأنه لا وسيلة إلي حب الله إلاَّ بواسطة النبي قال تعالي: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)آل عمران الآية 31. قال تعالي للنبي في حديث المعراج: (من احبك فقد أحببته). فكان أبو بكر الصديق اشد الناس حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم ينل مرتبة التفوق على الصحابة جميعاً إلا لأنه كان أكثرهم حباً للرسول صلى الله عليه وسلم، لا بكثرة صيام ولا قيام وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالي قال: من عادي لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه وما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته ولئن استعاذني لاعيذنَّه) رواه البخاري. وفي رواية أخري (ولان سألني لأعطيته ولان دعاني لأجبته ولان استعاذ بي لأعذته. وما ترددت في شيءٍ أنا فاعله ترددي في قبض عبدي المؤمن، هو يكره الموت وأنا أكره مساءلته، ولا بدّ له منه).

ومن هذه المرتبة تحدث كرامات الصوفية بخرق العادة علي نهج معجزات الأنبياء. وأن الأصوليين لا يحدث لهم خرق للعادة لأن مرتبتهم في الإسلام دون مرتبة الإيمان الخاصة بالصوفية -باصطلاح اليوم- وقد حدث خرق للعادة لكثير من الصحابة. فقد خاطب عمر بن الخطاب سارية علي البعد، فسمعه سارية، فكان خرقاً للعادة من كليهما. وكان حذيفة بن اليمان يقرأ أسرار القلوب فيميز بين المؤمن والمنافق. وأخبر أبابكر الصديق أن زوجته أسماء بنت عميس سوف تضع جارية وعدّها من الورثة مع أن علم ما في الأرحام من علم الله الخاص به. يقول تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) لقمان الآية34.

لاحظ أن الصديق أخبر أنها جارية أي أنثى، ومضمون كلامه أنها لا تموت حتى تخرج من بطن أمها، وأن أمها لن تموت هي الأخرى حتى تضع بنتها، والله تعالى يقول: ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) أي متى وأين تموت. ولكن نهاية الآية فيها حلاً للإشكال يقول تعالى:( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). أي أن ذلك من خصوصيات علمه تعالى لكنه قد يخبر به من يشاء من عباده. ويؤكده قوله تعالى: ( وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) البقرة الآية255. فيطلعه على علمه بالإلهام. يقول صلى الله عليه وسلم: (لقد كان فيما كان قبلكم من الأمم مُحَدَّثون- أي ملهمون- فإنه إن يكن أحد من أمتي فإنه عمر) رواه البخاري.

أما أصحاب المرتبة الثالثة، فهم خلفاء الله سواء كان أحدهم نبياً أو رسولاً في فترة النبوة أو مهدياً بعد إنقضاء عهد النبوة. والمهدي خليفة لله بنص صريح في حديث ابن ماجة الصحيح عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير إلي واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم ثم ذكر شيئاً لا أحفظه فقال: فإذا سمعتم به فأتوه ولو حبواً علي الثلج فإنه خليفة الله المهدي) فعقل هؤلاء ومركز إدراكهم الفؤاد، وهو جوهر المعدن الإنساني وصاحب هذه المرتبة يطلق عليه باصطلاح الصوفية -الفرد الجامع- أو الغوث ولم يطلق لفظ(الغوث) صراحة ولم يرد في السّنة إلاّ لعيسى ابن مريم في حديث(...فبينما هم كذلك إذ نادي منادٍ في السحر يايها الناس أتاكم الغوث ثلاثاً فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم)  تفرد به الإمام احمد بن حنبل. وسمي صاحب هذه المرتبة فرداً جامعاً لأنه يجمع جميع مراتب الدين. فهو أصولي يؤدى الأركان الأساسية التي يقوم عليها الدين. ويتلقى العلوم الربانية السماعية في مرتبة السمع، ولا يحدث ذلك إلا عندما يجيئ الملك بصورة بشر ويراه الرسول بالحواس الظاهرية بالعين، ويسمع منه بالأذن . فقد جاء جبريل عليه السلام في صورة رجل رآه الرسول صلى الله عليه وسلم ومن حضر مجلسه من الصحابة، وخاطبه بكلام سمعه الصحابة الحاضرون، وراجع معه أصول الدين. ومن قبل جاءت الملائكة إلى إبراهيم عليه السلام في صورة بشر  فلم يعرفهم حتى تعرّفوا له فرآهم وسمع كلامهم بالحواس الظاهرية. كما رأت وسمعت زوجته بالحواس الظاهرية. قال تعالي: ( وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ(71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ(72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) هود الآية 69-73. وحدث ذلك مع نبي الله لوط.

ولم يخاطب الحق عزّ وجلّ أحداً من خلقه من هذه المرتبة إلا موسى عليه السلام (ولذلك سمي كليم الله) ولما طمع موسى عليه السلام في المزيد بأن يرى الحق عزّ وجلّ بعيني رأسه كما سمع كلامه بأُذنيه قال تعالى له: ( لَنْ تَرَانِي) الأعراف الآية 143. أي لن تراني بعيني الرأس. أي بحاسة النظر في مرتبة السمع. لأن الله يرى بعين البصيرة التي في القلب. فقد سئل الإمام علي رضي الله عنه هل رأيت الله؟. قال: (لم أكن أعبد رباً لم أره) وقال صلى الله عليه وسلم ساعة المعراج: (إلهي وسيدي ومولاي، غشي بصري نورك وبهاؤك وجلالك، فلا أراك إلا بقلبي) الإسراء والمعراج لابن عباس.

ويخاطب الخليفة نبياً كان أو مهدياً من مرتبة القلب والبصر. فيؤمر المهدي بأمر الهداية، أو ينزل الكتب المرسلة على المرسلين. يقول تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) الشعراء الآية193-195. وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) البقرة الآية97.  ويتخطى الخليفة مرتبة الملائكة لأنهم في مرتبة الروح إلي مرتبة القرب من الجليل الأعلى. فيتلقى منه دون واسطة الملَك. من مرتبة الفؤاد وقد تخلف جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال له: (أفي مثل هذا المكان يخلي الخليل خليله؟.) وقال أيضاً في هذا المقام: (إن الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار، وأن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه). وهو المقام الذي يتخطى فيه البشر مرتبـة الملائكة. ويقول تعالى في هذا المقام :( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) النجم الآية8-11. والذي دَنَا هو الرسول صلى الله عليه وسلم والذي تَدَلَّى هو الله سبحانه وتعالي وليس جبريل الذي صحبه من مكة وعرج معه إلي السماء ثم تخلف عنه. فلا احد يدرك الحق في عليائه وإنما يكون بتَدَلَّى الحق والتعرف إليهم وهو معني (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) الأنعام الآية 103. فالأبصار تدرك الأشياء والله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)الشورى الآية 11. وفي الحديث القدسي (خلقت الخلق فتعرفت إليهم). 

هذه المراتب الثلاث هي التي تجمع العلم كله، وأنها جامعة لكل الكتب السماوية فهي حاوية لجميع عقول أطوار خلق الإنسان المتمثلة في النفس والروح والذات.

فعقل النفس هو الفكر في مرتبة السمع. (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى).

والروح عقلها القلب في مرتبة البصر. (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى).

وعقل الذات الفؤاد في مرتبة الرؤيا.(مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى).

وأوّل خطوة بعد ذلك هي العدم للوجود العارض -وجود المخلوقات- ويبقى الوجود المطلق -وجود الخالق- وهو الذي عبّر عنه القرآن بقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الرحمن الآية26-27.

ومرتبة الفؤاد هي أعلى مراتب القرب من الله تعالى فلا يصلها الملائكة المقربون. وهي مرتبة خاصة بخلفاء الله. سواء كان الخليفة نبياً أو مهدياً. وهي مرتبة الإسلام النهائي إسلام الوجه لله يقول تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) النساء الآية125. وقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)الكهف الآية28. وقد وصف القرآن عروجه صلى الله عليه وسلم إلى هذه المرتبة بقوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) النجم الآية8-11. وقال صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف: (فدنوت من ربي حتى صرت منه قاب قوسين أو أدنى، فوضع سبحانه وتعالى يده على كتفيّ ولم تكن يده محسوسة كيد المخلوقين بل يد قدرة وإرادة، فوجدت بردها في كبدي. واورثنى علم الأولين والآخرين، فأخذني عند ذلك الثبات والسكون. فظننت أن من في السموات والأرض قد ماتوا إلا أنا) الإسراء والمعراج لابن عباس.

والإنسان من مرتبة الفؤاد هذه يعي ويفهم كلام الحق، وكلامه تعالى بلا صوت ولا لفظ ولا حرف ولا يعبر عنه بكيف. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم (وأورثني علم الأولين والآخرين). ويعيش الإنسان في هذه المرتبة لحظة (الآن الدائم) وهي الأزل والأبد والسرمد والحاضر مجتمعة. وهو في هذا الوجود يعايش ما قبل الوجود وما بعده. فقد طاف الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة ووجد أكثر أهلها الفقراء واطلع على النار ووجد أكثر أهلها النساء، والقيامة لم تقم بعد. ويقول صلى الله عليه وسلم بعد خروجه من طوافه على الجنة: (ولم أزل أنزل من سماء إلى سماء فلما انتهيت إلى السماء الدنيا إذا الليل على حاله، لم يتقدم ولم يتأخر) الإسراء والمعراج لابن عباس. وذلك بمعايشته صلى الله عليه وسلم للآن الدائم.

والقصد من هذه المرتبة للخليفة، ليكلم الناس عن شيء عايشه حقيقةً بالرؤية، وهى مرتبة (حق اليقين) لا بمجرد علوم خبرية يتلقاها عن الملك، ليكون الرسول أو المهدي شاهداً على كل ما بلغ أمته عنه. والشهادة لا تكون إلا عن مشاهدة، لذلك قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا) الأحزاب الآية45.

وهذا شأن كل نبيٍّ ومهدي، ومن هذه المرتبة يبدأ التنزُّل في أطوار الخلق الترابي من الجماد وهو حيُّ بقّيومية الروح الرباني فيه. فالجمادات حية وليست ميتة كما يعتقد علماء الطبيعة، وهذه الروح هي مصدر الحياة في الجماد وتدفع الجماد بالقدرة الربانية إلى مرتبة الإنبات يقول تعالى: ( وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) نوح الآية17. ثم يدخل الطور التالي، ويتكشف النبات عن حيوان، ثم ينفخ فيه الروح. والروح هنا هي النفس التي تفارق الجسد عند الموت، وهي التي ترد مرة أخرى إلى الجسد عند البعث يقـول تعالى: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) التكوير الآية7.

وهذه الأطوار في الخلق يوازيها تدرج العقول. فالفؤاد لمرتبة التراب، وهي مرتبة الفطرة يقـول تعـالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) الروم الآية 30. فكلمة فطر معناها بدأ الخلق. والفطرة مشتقة منها. يقول تعالى: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يوسف الآية101. أي خالقها من غير مثال سابق. والقلب لمرتبة الحيوان وهي مرتبة الإلهام. والقلب الحيواني يحيا حياتان، إذ تلتقي فيه الروح من جهة ذاته الجمادي مع النفس من جهة ذاته الحيواني، فهو متقلب بين هذين المقامين. فإن غلبت عليه الروح صار بيتاً للحكمة ومحطاً لتلقي الأنوار الربانية وإن غلبت عليه النفس كان بيتاً للشيطان متبعاً لشهواته فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أضله وإن شاء هداه. فإن صلح بالروح صلح الجسد كله، وإن فسد بالنفس فسد الجسد كله. والى هذه المرتبة يشير قوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) البلد الآية10. وقوله تعالى:(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)الإنسان الآية3. وتتعلق النفس من الطرف الآخر بالعقل الظاهري، وهو الفكر في مرتبة السمع. وهو من مرحلتين: متخلف حيواني، ومتطور إنساني.

ووسيلة الإبصار لهذه المرحلة النظر، وهو عين العقل المفكر، والبصر عين بصيرة القلب، والرؤيا عين فؤاد الذات الترابي، وهي ترى حقائق المخلوقات وعلي هذه المراتب تتدرج العلوم والمعارف، وهى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وهى التي تميز مراتب الإيمان: الإسلام والإيمان والإسلام النهائي. وكل ما خلق الله ما كان وما يكون مُجَمَّع في ذرة التراب وهي صورة من اللوح المحفـوظ وفيها قراءة الحاضـر والماضي والمستقبـل وهو معني قوله تعالي: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) طه الآية 55.  ومن مرتبتي الإيمان والإسلام النهائي تحدث الكرامات للأولياء والمعجزات للأنبياء، فانشق القمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكانت النار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام، وسعت عصا موسي، ودبت الروح في الطين لعيسى عليه السلام، وعلم سليمان منطق الطير.

فالجمادات وسائر المخلوقات تعرف خليفة الله وتؤمن به يقول تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) النساء الآية64. ولما دعا الحق عزّ وجلّ السموات والأرض لطاعته طوعاً أو كرهاً: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) فصلت الآية 11. ما عدا الإنسان عندما يكتمل فكره يحجبه عن المعارف الربانية، فيكفر بالله والرسل. ومن شرح الله صدره وفتح بصيرة قلبه، آمن بالله وبما جاءت به الرسل، يقول تعالى في هذا المقام: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) الحج الآية18. وكان الإنسان قبل الفكر مؤمن بالله يقول تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ) النحل الآية49.

فاكتمال الخلق ينتهي بالفكر وهو محط التشريع والتكليف وحمل الأمانة، وأكمل الدين هو الذي يجمع الفكر مع القلب والفؤاد. فالخلق الأول برز في روح عيسى من روح الله ومن مرتبة الروح خلق الله أجسام الملائكة ثم تدرجت الروح في الكثافة فكانت نفساً ومنها خلق الله نفس موسي ونفس الجانَّ ثم تدرجت النفس في الكثافة فظهرت نوراً فتدرج النور في الكثافة فظهر ضباباً ويزداد الضباب كثافة فيظهر الماء ويزداد الماء كثافة فيتكلَّس فيظهر غباراً هو الطينة التي منها برز الوجود ومنها خلق آدم فالخلق جميعاً يحيا بروح الله ويتكشّف ظهور هذا الوجود من العدم بنور الله (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) النور الآية 35. وهو المعبر عنه (بالدرة البيضاء) التي تظهر فيها المخلوقات وتختفي وهو اللوح المحفوظ وهو الوجود الأول وعبر عنه القرآن (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) الحديد الآية 22.

عندما يتكثِّف هذا النور يبرز منه الماء وعندما يتكثِّف الماء يبرز منه التراب فيكون الخلق الثاني، الذي أعاد دورة الوجود الأول بنفخ الروح الرباني في طينة آدم فجمع آدم كل أطوار خلق الله السابقة وهو سر خلافته لله وكل خليفة لله لا بد أن يجمع تلك الأطوار ومن الشواهد قوله صلى الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) وجاء في جوهرة الكمال (ونور الأكوان المتكونة الآدمي صاحب الحق الرباني) وجاء في القرآن (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) يس الآية 12.

فالإمام المبين هو كل خليفة لله في الأرض وهو صنو القرآن وفي الحديث (كان خلقه القرآن) ولا فرق بين (خلق) بالفتح والسكون أو بالضمتين فالرسول صلى الله عليه وسلم مخلوق من نور القرآن الذي هو كلام الله، بكلامه قيومية السماوات والأرض ومن فيهن بكلمة (كُنْ فَيَكُونُ).

 ويطلق الصوفية على صاحب هذه المرتبة (الفرد الجامع) أو(الغوث) وهو خليفة الله نبياً كان أو مهدياً، فهو خليفة الله على خلقه، ومجدد الدين وإمام قرنه. فيؤمن به البعض ويكفر به البعض. ولا يؤمن به بادئ الأمر إلا أصحاب الخصوصية والولاية الكبرى وهم الصديقون والشهداء والصالحون، وهم طبقة أولياء الله. ويعاديه ويكذبه ويستهزئ به أولياء الشيطان ويحاربونه بشتى أنواع السلاح، وأن تكذيبهم لا يزحزح الحَّق. وإقناع المكذبين ليس شرطاً لصحة الدعوة فما زالت الملايين كافرة بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولم يزل هو الرسول من عند الله حقاً وحقيقةً وعليه فإن المكذبين بالمهدي الذين لم يقتنعوا بصحة دعوته هم الكافرون حقاً يقول صلى الله عليه وسلم: (من كذب بالدجال فقد كفر ومن كذب بالمهدي فقد كفر)أخرجه أبوبكر الإسكافي.

 كيفية نزول عيسى

يعتقد كثير من الناس أن عيسى ابن مريم ينزل بشراً سوياً من السماء، يراه الناس وهو هابط علي جناحي ملكين. فقلت لهم: هل هناك نص صريح من الكتاب أو السنة بذلك؟. فقالوا: لا. فقلت: إذن يكون هذا الاعتقاد اجتهاداً؟ فقالوا: نعم. قلت: كل اجتهاد يخالف ظاهر الكتاب والسنة فهو باطل. ولا خلاف في ذلك يقول تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) التوبة الآية115. فالحق في ميزان القرآن محجة بيضاء ليلها كنهارها لا تلتبس بالباطل أو الشك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (القرآن حجة لك أو عليك) ويقول تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى الآية10. فكل شيء أشكل على الناس. ورجعوا به إلى كتاب الله وجدوا  له حلاً شافياً. يقول تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) يس الآية12. ويقول تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) النحل الآية64. ويقول تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) النحل89.

إذن القرآن هو المرجع الأول والأخير للتمييز بين الحق والباطل. لا المعجزات الظاهرية. فالقرآن هو أكبر معجزة أنزلها الله للناس وأن المعجزات لا تكون سبباً للهداية -بل العكس- سبباً لهلاك أهل الكفر والعصيان. يقول تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ(1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْـرٌ مُسْتَمِـرٌّ) القمر الآية1-2. ويقول تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) الإسراء الآية59.

فالمرجع الأول والأخير هو القرآن. لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يقول صلى الله عليه وسلم: (ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله) رواه احمد. فكل ما وافق القرآن حق يجب أن يتبع. وعليه فلننظر بمنظار القرآن والسنة لمعرفة كيف ينزل عيسى ابن مريم؟.

يقول صلى الله عليه وسلم: (لا يؤدي عنى إلا رجلٌ من أهل بيتي) البداية والنهاية لابن كثير. هذا الحديث يحمل معنىً واحداً لا غير. وهو أن لا مهدي  إلا وهو من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بالنسب الطيني. ولا خلاف بين العلماء في أن المهدي من بيت النبي صلى الله عليه وسلم بصلة النسب الرحمي، والتبليغ في هذا الحديث لا يخص تبليغ العامة. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (بلغوا عنى ولو آية) رواه البخاري. وقد بلغ عنه معاذ بن جبل في اليمن. وبلغ عنه أصحاب المذاهب الأربعة أبو حنيفة والشافعي ومالك واحمد بن حنبل. وأصحاب الصحاح البخاري ومسلم واحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو داؤد، وأصحاب روايات القرآن نافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وعاصم وحمزة. ولا يوجد أحد من بين هؤلاء جميعاً غير الشافعي (من قريش)، وهم الذين بلغوا عن رسول الله علوم التشريع الظاهرية. ولو كان المقصود في هذا الحديث هو تبليغ غير المهديين، لما أعتمد السابقون والتابعون هذه الروايات والمذاهب، ولاعتمد الناس ما نقله أهل البيت فقط، واعتمدوا المذهب الشيعي واعتنقوه، ولا يزال إلى اليوم يقوم غير آل البيت النبوي بالتبليغ العام مثل أئمة المساجد والوعاظ وجماعات منظمات الدعوة الإسلامية للنشر الديني. ولا يشترط فيهم أن يكونوا من آل البيت، لأنهم يبلغون العلوم العامة، وبدون أمر مباشر من الله سبحانه وتعالى بل بالتكليف العام.

 فالمهدي يتلقى الأمر المباشر من الله للقيام بتجديد الدين الإسلامي خلفاً للرسول صلى الله عليه وسلم. وعبارة ( إن الله يبعث ) الواردة في حديث المجدد تؤكد من معناها الظاهري أن المجدد يتلقى خبراً إلهياً مباشراً وأمراً خاصاً من الله لتجديد الدين. فهو ليس بمجتهد. وتبليغه تبليغاً من نوع خاص وتكليفاً بأمر خاص ومباشر من الحق عزّ وجلّ، لا يقوم على الاجتهاد، واستئناس الكفاءة في النفس، ليقوم داعية من عند نفسه، ولا باختيار الناس وإجماعهم لأن الله سبحانه وتعالى يقول:  ( وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف الآية 26.

ومن المعلوم أن هناك أكثر من مهدي وكلهم من آل البيت. وقد أفاضت السنة بذكرهم. ولكن ما يجب ملاحظته هو أن أحاديث المهدي أحياناً تكون مفصلة، بأن يخص كل واحد منها مهدي دون الآخر، وأحياناً تكون مجملة، يشمل الحديث الواحد صفات وأحوال أكثر من مهدي. وهذا أدي إلى اضطراب في فهم العلماء. ورأوا أن في أحاديث المهدي تناقضاً صريحاً فالأحاديث مجملة ولا تناقض فيها ولكن أشكل علي العلماء التشابه.

 وعيسى ابن مريم هو أحد المهديين الوارد ذكرهم في أحاديث المهدي إجمالاً أو تفصيلاً. ويفهم ذلك من ظاهر حديث: (لا يؤدي عني إلا رجلٌ من أهل بيتي) البداية والنهاية لابن كثير. فهذا الحديث مثبت بنفي النفي أي أن لا مهدي إلا وهو من آل بيت النبي بلا استثناء لأحد من المهديين، وعيسى هو أحد المهديين لأنه لا نبي ولا رسول بعد النبي صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب الآية40. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وأنه لا نبي بعدى) متفق عليه. والمهدي هو الذي يحكم بكتاب الله إحياءً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاً له، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن عيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبي ولا رسول إلا أنه خليفتي في أمتي من بعدي) أخرجه الطبراني.

ويحكم بالقرآن والسنة. فهو الدين الذي يدين به المسيح عند عودته بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (مصدقاً بمحمد وعلى ملته)رواه احمد. أي دين الإسلام. وعيسى ابن مريم لا يكون من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ما لم تلده إمرأة من آل البيت. ولا يكون ذلك ما لم يكن غير خالد بشراً سوياً في السماء. أي لم تكن بشريته خالدة. وهذا ما أكده القرآن يقول تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) الأنبياء الآية34.

وعيسى بشرٌ وليس إلهاً ولا ملك، وكان قبل الرسول صلى الله عليه وسلم. إذن فإن بشريته لم تكن خالدة ولا باقية بدليل القرآن، والبقاء لروحه التي أفنى الله فيها جسده كلية. وهذا المعنى وحده الذي تتفق فيه كل نصوص القرآن والسنة وأقوال العلماء، قال العلماء أن دليل القرآن على نزول عيسى آخر الزمان، قوله تعالى: ( وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) آل عمران الآية 46.

جاء في التصريح الأثر (21/96): ( (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ) قال: (قد كلمهم عيسى عليه السلام في المهد وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذ كهل). أخرجه ابن جرير بقوله: (إذا قابل الدجال) في تفسيره.

والكهولة هي العمر ما بين الأربعين إلى الخمسين عاماً. وعيسى رفع وعمره ثلاث وثلاثون عاماً، يقول صلى الله عليه وسلم: (يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستون ذراعاً بذراع الملك، وعلى حسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثون، وعلى لسان محمد) أخرجه ابوبكر بن أبي الدنيا عن أنس.

وبكل تأكيد لو كان عيسى باقياً روحاً وجسداً فإن عمره الآن أربعة وتسعون وتسعمائة وألف سنة.أي تخطى مرحلة الكهولة وصار شيخاً هرماً. وقـد قال رسـول الله صلى الله عليـه وسلم: (المهدي من ولدي ابن أربعين سنة كأنه من رجال بنى إسرائيل يستخرج الكنوز ويفتح مدائن الشرك) أخرجه الهيتمي في القول المختصر.

لاحظ هذا التطابق التام بين هذا الحديث والآية السابقة!!.فالمهدي ابن أربعين ليوافق سن الكهولة. و(كأنه رجل من بنى إسرائيل) أي ستكون له ولادة في آل بيت النبي من العرب. وهذا ما أكده حديث النبي إذ يقول عن المهدي: (لونه لون عربي، وجسمه جسم إسرائيلي) والمهدي بهذا الوصف بتأكيد قاطع هو عيسى المسيح وهو الذي يجمع بين العرب وإسرائيل. ولا يكون ذلك إلا أن تكون له ولادة في العرب. ولابد  أن يكون ذلك لأنها سنة الله التي لا تبديل فيها. فقد نزل من الله روحاً في رحم امرأة من بني إسرائيل هي مريم. ولأن العهد الذي قطعه الله على نفسه ألا يرسل إلى قوم مبعوث إلا من أنفسهم. لقوله تعـالى: ( إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) الأعراف الآية35. ولا بد أن يكون بلسان القوم الذين أرسل إليهم ليبين لهم، وبلغة الكتاب الذي يحكم به. فعيسى مبعوث إلى أمته صلى الله عليه وسلم. وبشرط القرآن لا بد أن يكون من العرب. ولو نزل من السماء بشراً سوياً يكون مخالفاً لسنة الله. ويكون أعجمي لا يعرف لغته أحد. فإن اللغة التي يتكلمها اندثرت تماماً. فكيف يبين للناس؟!. وكيف ويحكم بالقرآن العربي وهو أعجمي؟!..وهذا يخالف القرآن يقول تعالى: ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) فصلت الآية44.

 إذن نزول عيسى من السماء بشراً سوياً يناقض القرآن جملة وتفصيلاً، وكذلك السُّنة. بل السُّنة أن ينزل من السماء روحاً في الأرحام وتلده أمرآة من جنس القوم المبعوث إليهم. والى هذا المعنى تشير الآية: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) ق الآية15.

والقول الفصل في هذا أن ينزل عيسى ابن مريم من السماء روحاً في الأرحام لتلده امرأة من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، من القبائل العربية. وأي فهم غير هذا سيناقض القرآن بعضه بعضاً، والسنة تناقض بعضها وتناقض القرآن، وهذا مستحيل فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً). ويقول الله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) النساء الآية82.

 وقد فهم العلماء ذلك: يقول عبد الرازق القاساني في كتاب (فصوص الحكم) لإبن عربي عن عيسى ابن مريم: (وصيّره مثلاً له بتكوين الطير من الطين، وتكوين الأعراض من الحياة والصحة في الموتى والمرضى في نشأته الأولى، ويكون- يعنى عيسى- خليفة الله وخاتم الولاية في نشأته الثانية).

فأقول: لا يمكن أن يكون عيسى كهلاً يكلم الناس بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وخليفة له، بدون هذه النشأة الثانية، فالقرآن نزل في بداية القرن السابع الميلادي بعد تخطى عيسى لسن الكهولة لو كان محفوظاً بشراً. إذن لا بد أن يولد مرة ثانية وينشأ حتى سن الكهولة ليكون من هذه الأمة وليس من الأمم التي يقول تعالى عنها: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) البقرة الآية141.

ويقول تاج الدين السبكي عن عيسى:

ومن بإتفاق جميع الخَلْقِ أفْضَلُ مِنْ  *** خَيْرِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَبِى بَكْرٍ  وعُمَرِ

ومِنْ عُثْماَن ومِنْ عَلِىٍّ وَهْوُ فَتَىً ***  مِنْ أمَّةِ المُصْطَفَى المُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ

ويقول الشيخ إبراهيم الكولخي رضي الله عنه:

وإِنْ جَاءَ رُوْحُ الله عِيْسَى فَإنَّهُ  ***   مِنْ أَمّتِهِ تَحْكِى الفِعَالُ فِعَالَهُ

أي من أمته صلى الله عليه وسلم. ويقول ابن عربي عن عيسى: (وهو منّا وهو سيدنا) وفي رواية مسلم (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم فأمكم منكم) منكم بالميلاد وليس فقط بالدين فهذه بتلك.

زمن نزول عيسى ابن مريم

يحدد زمن نزول عيسى حديث المجدد الذي يظهره الله على رأس كل قرن من الزمان، إذ يتحتم أن يكون هناك مجدد في مطلع القرن الخامس عشر الهجري.لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول قولاً ويذهب أدراج الرياح، فقوله هو من عند الله، ولا ينطق عن الهوى.

 وقد أكد الإمام محمد أحمد المهدي وسط هذه الأمة أن خليفته هو عيسى ابن مريم بقوله: (من مهديتنا إلى عيسى). وبما  أنه مضى على محمد احمد المهدي أكثر من مائه عام، فإن مجدد هذا القرن هو عيسى ابن مريم .

 ويؤكد هذا قول الشيخ إبراهيم الكولخي رضي الله عنه في ديوانه:

وإِنّي وإنْ كُنْتُ الأَخِيرُ زَمَانِهُ  ***  لَأَرْجُو بِشَارَاتِ الأَمِيْنِ لِصَحُبِهِ

سَيَأْتِي زَمَانٌ لَا يَزَالُ وأُمَّتِيِ  ***  وَمَاَ قَالَ فِي عِيْسَى سُلُوٌّ لِحِزْبِهِ

وقال:

وَيَخْتِمُ عِيْسَى َلَا تَكُوْنُ وِلَايةٌ  ***   بُعَيْدَ مَمَاتِ الرُّوحِ فَالَخْيرُ يُدْفَنُ

 

وقال:

وأَهْدِي الإِمَامَ المَهْدِيَّ الخِتْمَ مُرْشدِاً  ***  لَهُ كُلُّ وَقْتٍ فِي مَجَالٍ وَمرْقَدِ

فالشيخ إبراهيم الكولخي هو آخر الأقطاب الذين يشير إليهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البدلاء يكونون بالشام وهم أربعون رجلاً ما مات منهم رجل إلا أبدل الله مكانه رجلاً  يسقي بهم الغيث وينتصر بهم علي الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم البلاء) صحيح رواه احمد.

ومن المعلوم أن المهديين يظهرون من هذه الطائفة المميزة من أمته صلى الله عليه وسلم. وأن عيسى ابن مريم هو خليفة الشيخ إبراهيم الكولخي بلا فاصل زمني بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأبدال السابق. وأن الشيخ إبراهيم الكولخي هو آخر هؤلاء الأبدال الأقطاب بدليل قوله (...كُنْتُ الأَخِيرُ...). ولم يبق بعده إلا عيسى ابن مريم (سَيَأْتِي زَمَانٌ ...وَمَاَ قَالَ فِي عِيْسَى) ويخلفه بلا فاصل زمني، أي بعد موته مباشرة بدليل الحديث: ( ما مات منهم رجل إلا ابدل الله مكانه رجلاً) وعيسى هذا هو نفس المهدي في الأبيات السابقة، المذكور في قوله: ( وأَهْدِي الإِمَامَ المَهْدِيَّ الخِتْمَ مُرْشدِاً ) وإلا تناقض قوله وهذا مستحيل في حقه رضي الله عنه. وقد صح عنه أنه قال لأصحابه أنه ربيّ الإمام المهدي بظهر الغيب، والمهدي في العشرينات من عمره، وقد كنت دون الثلاثين عندما توفي الشيخ إبراهيم الكولخي عام خمسة وسبعون وتسعمائة وألف. وفى هذا تأكيد أن خليفة الشيخ إبراهيم الكولخي ليس من أصحابه الذين اجتمعوا معه، وأخذوا عنه بالسند الظاهر وأن سره رضي الله عنه لرجل لم يصحبه في حياته، لذلك خزنه عند (علىُّ سيس) أعلى أصحابه مقاماً إلى حين مجيء الوقت ليسلمه لصاحبه المهدي لذا قال في هذا:

عَلِىٌّ خَدَيِمْي خَازِن السِّرِ كَاتِبِي *** بِتَزْيِيْنِ مَدْحِي قَدْ عَلَا كُلَّ فَائِقِ

فعلىُّ سيس كان بمثابة جدار كنز اليتيمين، وبالفعل قال لي الشيخ إبراهيم الكولخي رضي الله عنه جهرةً ويقظةً: (إن السر مخزون عند علىُّ سيس وسوف أسلمك إياه) وأخبرت بعض الناس بذلك. فقال لي الأستاذ حميدة حسن: ( يفهم من ذلك قرب رحيل علىُّ سيس!.) قلت: يفهم ذلك. وقد كان. وهذا ينافي إعتقاد من لا علم له من بعض تلاميذ الشيخ إبراهيم الكولخي أنهم خلفاء له. فالشيخ إبراهيم الكولخي إلتقى بخليفته في عالم الغيب، لا في عالم الشهادة، وقد تأكد لنا أن الشيخ الكولخي رضي الله عنه في إحدى رحلاته الجوية، عندما دخل المجال الجوى السوداني قال: (هنا صاحب الاسم الأعظم) ومعلوم لدى العارفين أن صاحب الاسم الأعظم هو القطب الغوث لأنه هو وحده الذي يعرف الاسم الأعظم الخاص بالذات العلية. ومما يؤكد ذلك أيضاً أن عبد الله اليسار بن الشيخ إبراهيم الكولخي قال في إحدى زياراته للسودان: (خليفة الشيخ إبراهيم من هذا البلد).

وعيسى ابن مريم هو المهدي التجاني خلافاً لاعتقاد بعض التجانيين في أن المهدي التجاني هو الذي يسبق عيسى في الظهور، وهذا الاعتقاد تكذبه كل المراجع التجانية، ففي كتاب (الدرة الخريدة) تأكيد بأن الإمام المنتظر ليس قطباً.

 ففي الصفحة التاسعة والعشرين يقول محمد فتحا مؤلف (الدرة الخريدة) في السطر الثالث عشر(الإمام المنتظر ليس قطب) ويقول العربي بن السائح في كتاب بغية المستفيد في الصفحة السادسة والتسعين بعد المائة السطر السادس عشر (الإمام المنتظر غير قطب).

فكيف يعّول التجانيون على رجل غير قطب؟. وهل يصح أن يترك الناس نهج المسيح المهدي القطب الغوث ليتبعوا آخراً غير قطب؟!.

وبما أن عيسى هو خاتم الولاية بلا شك أو اختلاف بين علماء الظاهر والباطن فالذين اتبعوه فوق من خالفه إلى يوم القيامة يقول تعالى:( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) آل عمران الآية55. ففي زمن المسيح يقع العموم في الطريق المحمدي بإتباع الكل له يقول صلى الله عليه وسلم عن نزول عيسى: (بيده حربة يقتل بها الدجال، فإذا قتل الدجال تضع الحرب أوزارها ويكون الناس أهل ملة واحدة) رواه أبو داؤد. وفى رواية أخرى: (فيقاتل الناس على الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها ويبقى الإسلام) رواه ابوداؤد.

وأورد صاحب الدرة الخريدة في الصفحة الثالثة والثلاثين السطر الثاني عن الشيخ التجاني رضي الله عنه قوله: (وإذا نزل المسيح عيسى ابن مريم. وقع العموم الحقيقي في الطريق المحمدي بإتباع الكل له). والطريق المحمدي هو طريق الشيخ احمد التجاني. فهو خاتم الأولياء وجامع مقامات كل أصحاب الطرق. وسلوك عيسى لطريق الشيخ التجاني يؤكد بقاء مدد الشيخ التجاني في تلاميذه إلى يوم القيامة، وإلا لانقطع هذا المدد. إذا سلك عيسى غير طريقه بإتباع الكل لعيسى واستمدادهم منه.

 فالكل يتبعون عيسى آخر الزمان لا يتخلف عنه إلا من كفر وهو معنى قوله تعالى: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) آل عمران55. فأفهموا ذلك يرحمكم الله.

وقد واَفقت خلافتي للإمام محمد احمد المهدي بعد مضى قرن، وخلافتي للشيخ إبراهيم الكولخي بلا فاصل زمني وكل ذلك وافق بداية القرن الخامس عشر الهجري. فقد أمرني الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبليغ في أغسطس 1981م  وأمرني الله سبحانه وتعالى بإعلان مهديتي وقال لي فـ(أصدع بما تؤمر) في ذي الحجة عام واحد وأربعمائة وألف هجرية فوافق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن المجدد الذي يظهره الله في رأس كل قرن من الزمان. والكل وافق القرآن في تحديده لزمن ظهور المسيح المهدي. يقول تعالى في سورة الإسراء: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) الإسراء الآية4-7. ويقول تعالى: ( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) الإسراء الآية104. فإن نبوءات هذه الآيات تحققت جميعها غير واحدة. فقد فسد بنوا إسرائيل في الأرض وعلوا فيها في المرة الأولي وتلك سبقت وحدث لهم القتل والأسر والتشريد. ومضى ذلك بلا خلاف بين علماء الدين والمؤرخين. أما فسادهم للمرة الثانية فهو الكائن الآن وقد أنبأ عنه القرآن بعلاماته. وهى تفرق بنى إسرائيل في الأرض وقد انتشروا في كل بلاد العالـم وهـو معنـى قوله تعالى: (اسْكُنُوا الْأَرْضَ). ثم عادوا من الشتات في هجرات جماعية كما هو الحال في هجرات الفلاشا من الحبشة وهجرات اليهود السوفيت الجماعية وعودتهم إلى الأرض المقدسة. وهو معنى قوله (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) فاللفيف في اللغة تعنى الجماعة.

ثم كانت الغلبة لليهود على المسلمين وهو معنى (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) وتكاثرت أعداد بني إسرائيل وتكاثرت أموالهم فهم اليوم يسيطرون على رؤوس الأموال في أغنى دول العالم وهو معنى (وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ) بالإضافة إلى المعونات الطائلة التي يتحصلون عليها من أمريكا وألمانيا وأوربا وأخيراً اليابان.

أما معنى (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) هو الواقع المعاش اليوم، فكل العالم يناصر اليهود على المسلمين، ففي الوقت الذي رمت فيه أمريكا وأوربا والعالم بكل ثقله لضرب العراق في أبشع حرب شهدها العالم حتى اليوم بحجة زائفة هي احتلاله لدولة عربية مسلمة نجدهم في الوقت ذاته يقدمون الدعم العسكري والمادي والمعنوي ويتكفلون بحماية بني إسرائيل الذين يحتلون أراضياً في أكثر من دولة عربية مسلمة هي (فلسطين وجنوب لبنان والجولان في سوريا وغرب الأردن). بل الأمر يتعدى ذلك فالعراق التي خرجت من الكويت وطبقت كل ما اشترطه عليها العالم، لا زالوا يفرضون عليها الحصار بلا مبرر، وفي ذات الوقت يدفعون العرب والمسلمين لرفع المقاطعة عن إسرائيل، بالرغم من تحدى إسرائيل لقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، وإحتلالها لأرض الغير بلا مبرر بل ظلماً وعدواناً.

هذا الظلم يقتضى نزول عيسى ابن مريم المسيح المهدي لينشر العدل مكان الظلم وهى الحلقة المفقودة، ولكنها معلومة من قوله تعالى: ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) الإسراء الآية 7. والمسجد هنا هو بيت المقدس.

فمن هؤلاء الذين يدخلون المسجد فاتحين له بقوله (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)؟!..الحديث التالي يجيب على هذا السؤال. فقد روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ينزل عيسى ابن مريم فإذا رآه الدجال ذاب كما تذوب الشحمة، فيقتل الدجال ويفرق عنه اليهود، فيقتلون حتى أن الشجر والحجر يقول يا عبد الله للمسلم-  هذا يهودي تعال فاقتله).

فاصدق شرح للقرآن بالقرآن ثم بالحديث، وهذا الحديث يؤكد أن الخطوة الآتية هي قضاء المسلمين على اليهود بقيادة المسيح المبعوث مهدياً آخر الزمان، وهذا هو آخر الزمان بدليل الآيات السابقة. خاصة أن اليهود اليوم يحتلون الضفة الغربية لنهر الأردن وهو خط النار الذي حدده الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث: (لا تزالون تقاتلون المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن انتم شرقيه وهم غربيه)الهيتمي مجمع الزوائد.ج7 ص349.

فعيسى ابن مريم هو المعني الأول بقتال الدجال، فقد بيَّن القرآن والسنة توقيت نزول عيسى المسيح المهدي في دقة متناهية لا تدع مجالاً للشك أو اللبس، إلا لمن شك في القرآن نفسه والعياذ بالله. وما حدده القرآن والنبي الكريم لظهور المسيح هو مطلع هذا القرن، وتكاملت علاماته الظاهرية كلها، فإن المسيح المهدي المحمدي لن يتخلف ولن يخلف الله وعده بالتسويف، وهذا محال في حقه تعالى.

سألني أحد المجادلين قائلاً: هناك أُنْاس غيرك ادّعى كل منهم أنه المسيح. فقلت له: كثرة المدعين لا تنفى أن يكون أحدهم هو صاحب الحق. فقد كان هناك متنبئون في زمنه صلى الله عليه وسلم، ومهما يكن فإن عليك أن تؤمن بأحدهم، لأن ظهوري مضى عليه أكثر من عشرة سنوات أي منذ بداية القرن الخامس عشر الهجري، فالوقت المربوط بالقرآن والسنة حجة عليك، ومنهم من قال أن السنة تؤكد ظهور الدجال قبل المسيح عيسى، فقلت لهم: ما دام تحديد القرآن لزمن نزول عيسى قد جاء فإن المسيح الدجال قد ظهر، وإن جهلتـم أمـره، فالله تعالـى يقول: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) يوسف الآية 105. وأعلم أن بعض العلماء قالوا بتأويل أحاديث الدجال ومنهم ابن كثير الدمشقي في تعليقه على أحد أحاديث الدجال كما أن الرسول أشار إشارة واضحة إلى صرف معاني آيات الدجال عن ظاهرها إلى التأويل وذلك بقوله: (ومعه نهران أنا أعلم بهما منه) إشارة إلى أنهما أنهار زائفة غير حقيقية، وهذا هو التأويل بعينه. كما أن أحاديث الدجال تجبرك على تأويلها، فقد ورد في ذكره: (له أربعون يوم يسيحها في الأرض، اليوم منها كالسنة واليوم منها كالشهر واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامنا هذه. فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: في ذلك اليوم الذي كالسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا أقدروا له قدره) رواه مسلم. ففي استخدام حرف التشبيه (الكاف) في كلمة (كالسنة وكالشهر وكالجمعة) دليل على اختلاف طول اليوم على الكرة الأرضية. فاليوم عند القطبين كالسنة ستة أشهر ليل والأخرى نهار. وما دام اليوم هو مجموع ساعات الليل والنهار، فإن اليوم عند القطبين كالسنة. وسائر أيامه كأيامنا في المنطقة المدارية. والمسلمون عند القطبين يقيدون وقت عبادتهم مع المناطق المدارية التي تقع معهم في خط طول واحد. وهو معنى (أقدروا له قدره) من اليوم الذي كالسنة ويتدرج إلى أن يكون سائر أيامه كأيامنا هذه في المنطقة المدارية. واستخدامه صلى الله عليه وسلم لكلمة السياحة يؤكد ذلك.

فإذا ساح أحدكم اليوم وطاف بلاد الأرض من الشمال إلى الجنوب أو العكس، فإنه يجد صحة قوله صلى الله عليه وسلم في اختلاف طول اليوم، باختلاف ساعات الليل والنهار على الأرض، وقد ورد في وصف الدجال (أن له حماراً عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعاً، وأنه يستظل بأذنه سبعون ألفاً من اليهود) فالحمار هذا هو الطائرة، ففي حرب أكتوبر عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف عملت الطائرات الأمريكية مظلة جوية لحماية اليهود من الطائرات المصرية، وقد تحقق المعنى حرفياً.

وورد في ذكر الدجال أن (سرعته كالغيث استدبرته الريح) فسرعة الدجال هي سرعة حماره، وهي سرعة الطائرة التي تسير بدفع الريح، وتتحرك برد الفعل المعاكس، وهي في سيرها تشبه سير السحاب بين السماء والأرض الذي تدفعه الرياح، وهو وصف دقيق للطائرة.

وورد في ذكره أن له (عين يرى بها أقصى الأرض، وله أذن يسمع بها ما يتهامس به الناس عبر البحار) فعين الدجال هي شاشات الرادارات والأقمار الصناعية والتلفزيونات ووسائل البصريات التجسسية التي تريك ما يجرى في العالم الخارجي، وأنت جالس في غرفة مظلمة ومغلقة الأبواب والنوافذ. وأُذن الدجال هي الآن أجهزة الإتصالات مثل (الراديوفون والتلفون واللاسلكي) وآلات الإتصالات المتطورة التي تسمعك كلام شخص يبعد عنك الاف الأميال. وما كان لك أن تسمع ذلك أو تراه إلا بأذن الدجال وعينه.

ومما لا يدع مجالاً للشك في تأويل أحاديث الدجال، كون (معه نهران) ومعلوم أن الدجال يسير بسرعة (الغيث استدبرته الريح). فكيف يحمل معه النهرين، ويجوب بهما الأرض لمحاسبة الناس؟!.أروني كيف يحمل الإنسان النهر؟!.وهل هذا ممكن من الناحية العملية؟.بالطبع كلا. وعليه يكون للدجال مظهران:

المظهر الأول حضاري: وهو مخترعات هذا العصر. وهى معجزات الدجال التي قهر بها المسلمين من دبابات وراجمات وصواريخ تحمل قنابل ذرية، وأقمار تجسسية ورادارات تفوق بها اليهود اليوم على المسلمين وقهروهم بها وهو نهر النار. وكان سبباً لفساد بني إسرائيل وعلوهم في الأرض المقدسة. ولم يبق إلا ذلك الرجل اليهودي الذي يستخدم هذه الوسائل لقهر المسلمين.

وهو المظهر الآخر للدجال: وهو رجل عادي من بنى الإنسان يغدق علي من تبعه الخيرات والنعم وهو نهر الجنة. ويحرم من كذبه ويصليهم بأسلحته النارية ومن فهم هذا ووعاه علم أن صراع المسلمين اليوم مع اليهود لا يحدث للمسلمين نصر فيه إلا بإتباعي، فهذه الحرب هي حرب الدجال، فاليهود اليوم في حماية الدجال، بخوارقه وقوته الضاربة، ولا ينتصر احد على الدجال إلا المسيح عيسى ابن مريم المبعوث مهدياً الآن وليس غداً. وفي الحديث الذي أخرجه أبوداؤد (لم يسلط علي قتل الدجال إلا عيسى ابن مريم) وأنا عيسى ابن مريم. وهذا هو آخر الزمان ولا سبيل إلى النصر على اليهود إلا بقهر هذه الأسلحة الفتاكة، ولا يكون ذلك إلا بإعجاز رباني، ولا يتم ذلك إلا علي يد شخص مأذون له بالجهاد من قبل الله تعالى. وعند ذلك يؤيده بالمعجزات للقضاء على الظلم والطغيان والفساد، الذي ساد به اليهود والدجال والعالم الغربي اليوم. وأنا ذلك الشخص المعني والمقصود (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد الآية11.

فإذا أردتم النصر على اليهود وتحرير بيت المقدس وفلسطين فعليكم بإتباعي ومبايعتي، وإذا قعدتم في بيوتكم وقلتم لي بلسان الحال أو المقال كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) المائدة الآية 24. فإن الله سيطيل معاناة المسلمين عقاباً لهم علي مخالفتي وتكذيبي كما عاقب بني إسرائيل بالتيه في الصحراء وحرم عليهم الأرض المقدسة أربعين عاماً، وعندما تابوا إلى الله وعقدوا العزم على طاعته (إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) البقرة الآية246. أتم الله لهم ذلك، ودخلوا الأرض المقدسة فاتحين..ولكم أمثالها..

وكل الأدلة الشرعية تؤكد أن عيسى من السودان، وينزل في الأرحام، وتلده أمرأة من آل النبي صلى الله عليه وسلم. وهو إمام المسلمين في هذا الزمان. هذا بلاغ للناس ولينذروا به.

عيسى ابن مريم من قبيلة بدوية

أوضّح في هذه النشرة اسم القبيلة التي ينزل فيها عيسى ابن مريم آخر الزمان، والاسم الذي يسمى به، بالأدلة من الكتاب والسُّنة وعند أهل الكشف.

يقول صلى الله عليه وسلم: (ينزل عيسى ابن مريم على ثمانمائة رجل وأربعمائة امرأة، أخيار من على الأرض وأصلحاء من مضى) أخرجه الديلمي كنز العمال ج7 : 203.

وهذا الصلاح نجده في أسرة أولاد ريد، فالولاية فيهم والصلاح بصورة ملفته للنظر ويشهد بذلك الحُمر قاطبة. وقد قال عنهم الولي الصالح صاحب الكرامات الظاهرة والكشف أبّ الحاج الصِّقير الإبِيِضْ من أولاد عوانه: (إذا ذهبتم إلى أولاد ريد صباح العيد أشربوا من الماء الذي بات في أوانيهم، ولا تشربوا من الماء المجلوب في الصباح، فإن الملائكة توفى -أي تكمل- أوانيهم من ماء زمزم ليلة العيد).

وأثنى عليهم الشيخ العالم عبد الله أبو ربش الصافي وكان من أهل الكشف ومن الأشراف رضي الله عنه قال يوماً لتلاميذه وقد مرت بالقرب من مجلسه ظعينة أولاد ريد: (هؤلاء أولاد ريد: إن رادوك ريد، وإن ما رادوك ريد -أي كنَّ لهم المحبة سواء بادلوك بالمثل أم لا- والله الذي يتبرك ببعر أبقارهم لا تمسه نار القيامة) فخلع نعليه وجعل يطأ بعر أبقارهم تبركاً ففعل تلاميذه مثل فعله.

لقد قابلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشخصي، وقال لي كلاماً قريباً من كلام أبى ربش هذا، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (من أحب أولاد ريد دخل الجنة، ومن بغضهم لا يدخل معي الجنة). وأخبرت بذلك رجالاً من الفيارين، قال أحدهم هذا كلام صحيح فإن مولي أولاد ريد إذا أخلص في طاعتهم، تظهر عليه أنوار الولاية، وضرب أمثلة بعدد منهم.

وفى مقام آخر سمعت رجلاً يعلق على كلام الناس، بأن فلاناً مولي أولاد ريد ظهرت عليه كرامات الولاية وأنوارها، فقال: (الولاية فاتت أولاد ريد -أي فاضت منهم- حتى أصبحت تقسم على مواليهم). وقال النيل أبو مطره وهو رجل مشهور بالحكمة في قبيلة الفيارين يوماً عن أولاد ريد: (كلهم صالحون). ويقول الحُمر بصفة عامة: (إن أولاد ريد لا فيهم مجنون ولا مجزوم).

وهذه حقيقة ملفته للنظر حقاً تواترت بها الأخبار، ولا زالت حقيقة إلى اليوم حتى قال بعض الناس: (أن أحداً من أجدادهم -أي أولاد ريد- حذّر الشيطان من أن يتعرض لهم). يروي الناس أن عبدالقاسم بن على هو الذي حذره وبعضهم يروون أنه جد آخر غيره.

 

فأقول: ربما المقصود به دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للحسن ابن على بقوله: (اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم). إذ أن أولاد ريد من ذرية الحسن بن علي. (وصوابه إلى الحسن بن على العلوي وينتهي نسبه إلى الحسين بن على بن أبى طالب). وهذه الشهادات يؤخذ بها شرعاً.

فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (أنكم توشكون أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار، أو قال خياركم من شراركم. فقال رجل من الناس: بم يا رسول الله؟. قال: بالثناء السيئ والثناء الحسن وأنتم شهداء الله بعضكم على بعض).

ويشترط في عيسى أن ينزل في قبيلة من الأعراب، ومن القبائل النازحة من الجزيرة العربية، وتمارس الترحال كما هو حال أولاد ريد، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبي للغرباء!. قيل: ومن الغرباء؟ قال: النزائح من القبائل) صحيح أخرجه الأعمش عن ابن مسعود. وهذا الحديث شرحه حديث أبى هريرة قال: (ليأتين على الناس زمان خير منازلهم البادية) رواه ابن ماجة عن أنس وأبي هريرة.

فالأخيار تجدهم في البادية خارج جزيرة العرب. وهي البادية- موطن عيسى ابن مريم أخرج نعيم ابن حماد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ( أحب شيء إلي الله الغرباء. قيل: أي شيء الغرباء؟. قال: الذين يفرون بدينهم ويجتمعون إلي عيسى ابن مريم). وروي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً وموقوفاً في هذا الحديث السابق (قيل: ومن الغرباء؟. قال: الفرارون بدينهم يبعثهم الله مع عيسى ابن مريم عليه السلام) قال الهيتمي أصل الحديث صحيح.

وتجدر الإشارة هنا إلى ما يستشهد به بعض علماء المسلمين من التوراة التي تقول: (أن المُخْلص أو المنقذ من الضلال والذي تصفه التوراة يأتي من جبال فاران) هو محمد صلى الله عليه وسلم، واعتبر المسلمون أن جبال فاران هي مكة وجبال الحجاز.

 فأقول: استدلال المسلمين بالتوراة أعطاني الصفة الشرعية للاستدلال بها، وأقول: أن كلمة (مُخلّص) أو منقذ تعادل في الاصطلاح الشرعي كلمة مهدي، حتى ذهب بعض علماء المسلمين إلى القول بأن كلمة مهدي من الإسرائيليات ودخيلة على الإسلام، فانكروا وجود المهدي بحجة أنها فكرة مستوحاة من كلمة (المُخلّص أو المنقذ) عند اليهود في التوراة. ومعلوم أن المخلص عند اليهود هو المسيح، وأن زمن ظهوره يتزامن مع عودتهم إلى الأرض المقدسة بعد الشتات. وتحت قيادته يقيمون دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

وعند المسلمين الذي يقيم الدولة الإسلامية الموحدة من النيل إلى الفرات، بعد القضاء على اليهود بعد عودتهم من الشتات هو المسيح المهدي. لاحظوا هذا التطابق الدقيق بين التوراة والقرآن في تحديد زمن ظهور عيسى المسيح، ولما بات من المؤكد عند اليهود أن الزمن الحالي هو زمن ظهور المسيح ، كثر عندهم من ادعي أنه هو المسيح النبي. ولا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمسيح اليهودي هو الدجال. والمسيح المحمدي هو المهدي الفاطمي، وهما الآن قائمان يدعوان، فإن الأوان أوانهما، وقد بينت سورة الإسراء مع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن زمن ظهور المسيح المهدي مرتبط بعودة اليهود إلى الأرض المقدسة بعد الشتات بصورة جماعية (لَفِيفًا) وفسادهم وطغيانهم وتكاثر أعدادهم وأولادهم، مع كثرة مناصريهم على المسلمين.

فالمُخْلّص الموعود في نبوءة التوراة هو عيسى ابن مريم لأنه هو المهدي بحق وحقيقة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم) رواه ابن ماجة.

والرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان مهدياً، إلا أن الصفة الظاهرة فيه هي النبوءة والرسالة، أما عيسى ابن مريم وإن كان رسولاً نبياً إلى بنى إسرائيل، إلا أن هذه الصفة إنتحت عنه عند عودته آخر الزمان، فظهر بمظهر الهداية لا النبوءة، لختمها برسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذن المُخْلّص من جبال فاران هو عيسى ابن مريم، وهو الذي يكون من جبال فاران، فكلمة (فاران) تعنى كلمة (فيراني) وكلمة جبال مأخوذة من اسم الأسرة التي أنتمي إليها وهم أولاد ريد، وكلمة (ريد) في اللغة العربية تعنى (قمة الجبل) فجبال فاران تعنى (فيرانى من أولاد ريد) وهى القبيلة التي ينزل فيها المسيح المهدي آخر الزمان. وكون المقصود بكلمة (جبال فاران) اسم قبيلة بعينها أقرب للدلالة على خروج المسيح من جبل بعينه أو منطقة، فنزول عيسى يكون في أسرة بعينها لقوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل عيسى ابن مريم على ثمانمائة رجل وأربعمائة امرأة).

وعيسى لا يولد إلا في بيت النبوة بدليل قوله تعالى للأنبياء: (ذرية بعضها من بعض) آل عمران الآية34. ومن ولد فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ضمها صلى الله عليه وسلم يوماً إلى صدره وقال: ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)آل عمران 34.. ومن نسل الحسن بصفة خاصة فقد دعي له صلى الله عليه وسلم بقوله: (اللَّهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم). وهو نفس الدعاء الذي دعته امرأة عمران لابنتها مريم: ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) آل عمران الآية 36..  فعيسى لا تلده إلا امرأة من ذرية الحسن بدليل القرآن والسنة. وانتسب إلي الحسن بشطر من نسب أمي  والنسب المعتمد لعيسى يكون بالأم. 

ولمعرفة الاسم الذي يسمى به عيسى ابن مريم عند عودته آخر الزمان، أستشهد بقول ابن عربي في كتابه (عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب) إذ يقول: (أين يكون من هذه النسخة الإنسانية والنشأة الروحانية مقام  المهدي المنسوب إلى بيت النبي الماء والطين، وأين يكون منها أيضاً ختم الأولياء، فجعلت هذا الكتاب لمعرفة هذين المقامين، ومتى تكلمت في هذا فإنما أذكر العالمين).

فأقول: عند أهل التحقيق والمعرفة الختم ختمان: أحدهم لا ولى بعده وهو عيسى ابن مريم بلا خلاف. والختم الآخر: هو الشيخ احمد التجاني رضي الله عنه. وبه ختمت الولاية الباطنة.

وأما عيسى فيجمع بين ختم الولاية الظاهرة والباطنة، فالمهدي الذي ذكره ابن عربي من بيت النبي الماء والطين، وصاحب النشأة الروحانية هو عيسى بلا شك. إذ كانت نشأته روحانية بأن نفخ روحاً أولاً في بطن مريم ثم تخلق طينة في بطنها بعد ذلك. في حين أن باقي الخلق نشأته طينية بالجمع بين ماء الأبوين. ثم يصير علقة ثم مضغة ثم ينفخ فيه الروح في الشهر الرابع، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك، فيؤمر بأربعة كلمات.... ثم ينفخ فيه الروح).

وإلى خلق عيسى أشار ابن عربي في الفتوحات المكية المجلد الثاني، في صفحة اثنين وثمانين وستمائة الباب السابع والتسعون ومائتان: في معرفة منزل ثناء تسوية الطينة الأنسية فى المقام الأعلى من الحضرة المحمدية يقول:

تَنَزَّه أيُّها الخَلْقُ المُسَوَّي  ***  عَلَى صِفَـةِ المُسَوَّي بالسَّواءِ

وَلَا تَنْظُرْ إلى مَا حَالَ مِنْهُ ***  وجَاءَ بِهِ الرَّسُوْلُ مِنْ السَّماءِ

وإنْ خِفْتَ الرَّجَاء أَيَّدْتَ فيه ***  بِمِـا تُقْضيْـهِ مَأْمَنَـهُ الرَّجاءِ

سُلَيْمَانِيَّــةٌ وَقَفَتْ أَمَامِي  *** أَقيمُ بِهَا رَخَـاءً مِنْ رَخَــاءِ

فأقول: أحياناً الجواب يكفيك عنوانه، إذ جعل عنوان هذا الباب (الطينة الإنسية في المقام الأعلى من الحضرة المحمدية). فعيسى بشر وطينته مضمنة في روحه، وأن طينته جاء بها الرسول (جبريل) من السماء. فهو من الإنس- أي عيسى- لا من قبيل الجان أو الملائكة بسبب هذه الطينة، وأن طينته لم تكن من طينة أمه أبداً بدليل قوله تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). آل عمران 59. وقطع الله باب الجدال في خلق عيسى، وقال لمن أراد المجادلة: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) آل عمران61.

فطينة عيسى جاء بها الرسول من السماء، ففي السماء طين بدليل قوله تعالى: (... أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا...) الأنبياء الآية30.

ونبه ابن عربي إلى عدم الارتباك والتشكك بسبب ما يحدثه ميلاده الثاني بقوله: (ولا تنظر إلى ما حال منه). فطينة عيسى جاء بها الرسول (جبريل) من السماء وقال عنها ابن عربي (سُلَيْمَانِيَّــةٌ) من قوله (سُلَيْمَانِيَّــةٌ وَقَفَتْ أَمَامِي). وزاد الكلام إيضاحاً عن الطينة السليمانية بقوله فى الشطر الثانى من البيت (أَقيمُ بِهَا رَخَـاءً مِنْ رَخَــاءِ). أي أن هذه الطينة السليمانية سبباً لرخاء هذه الأمة، مما يؤكد أن السليمانية هي طينة المسيح عيسى ابن مريم. وهو الذي عند عودته يحصل الرخاء لهذه الأمة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) متفق عليه. ويقول: (طوبى لعيش بعد المسيح، يؤذن للسماء فتمطر، ويؤذن للأرض في النبات) رواه أبو نعيم التصريح حديث رقم 56. وقوله: (بيده حربة يقتل بها الدجال، وتنبت الأرض كنباتها على عهد آدم) فالحربة هي السلاح الرئيسي لقبائل البقارة ومنها قبيلة (الفيارين).

وابن عربي كشف الله له اسم خاتم الولاية ولكن أمره بكتمان اسمه، فسماه مكتوماً، كما وضح ذلك في كتاب (عنقاء مغرب) ولكنه اكتفي بالإشارة إليه والتلميح والرمز، لذلك قال (سُلَيْمَانِيَّــةٌ) ولم يقل سليمان عندما ذكر انه سوف يشير إلى اسم خاتم الأولياء في آخر قصيدة دون التصريح به في كتاب (عنقاء مغرب) وقال انه يختمها باسم خاتم الأولياء. والختم يكون التمام، وكان آخر الأبيات قوله:

فَسَتَرْتُ الأُمُورَ ِبكِلّ كَشْفٍ  ***  لِعَيْنٍ صَاَرَ بالتقوىّ سَلِيْماَ

وبما أن ابن عربي قال أنه يختمها باسم خاتم الأولياء، وقال الختم يكون التمام، فإن الاسم الخاتم للقصيدة هو (سَلِيْماَ) قال الختم يكون التمام، فتمام (سَلِيْماَ) بإضافة النون أي تمام (سَلِيْماَ) سليمان- أي أن اسم خاتم الأولياء (سليمان).

أما اسم المهدي وسط الأمة والذي يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: (لن تهلك أمة أنا في أولها وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي وسطها). هذا المهدي صرّح  رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه، ولا يحتاج  إلى كشف ابن عربي أو غيره، قال صلى الله عليه وسلم:(يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي). وهو بلا شك محمد احمد بن عبد الله المهدي السوداني الذي مضى على بعثته قرن من الزمان وكان مجدد قرنه.

أما مجدد هذا القرن فهو عيسى ابن مريم لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المجدد: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) رواه ابوداؤد.

وتسمية عيسى ابن مريم عند نزوله في آخر الزمان باسم (سليمان) لا تثير جدلاً، فقد كان اسمه عند ولادته في بني إسرائيل (عيسى) وعُرف فيما بعد باسم المسيح عند بعثته. فالذات الواحدة يمكن أن يلحق بها أكثر من اسم. فلا يعنى اختلاف الأسماء تعدد الذوات.

ومما يؤكد أن خاتم الأولياء الذي اسمه (سليمان) عند ابن عربي هو ذات المسيح، قوله في (عنقاء مغرب) عن ختم الأولياء، إذ يقول: (فإني أنا الختم لا ولي بعدى، ولا حامل لعهدي، بفقدي تذهب الدول وتلحق الآخريات بالأول). فعيسى هو آخر الخلفاء في الأرض بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (وعيسى في آخرها). وأشار إلي (أن الساعة بعده كالحامل المتم) رواه الحاكم.

وقال ابن عربي: (ولما صحَّ أن الختم متقدم الجماعة يوم القيامة ثبت أن له حشرين). وقد أكد الشيخ احمد التجاني أن لعيسى حشران، فهو يحشر في أمته رسولاً نبياً، ويحشر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إماماً مهدياً وهو (سليمان) صاحب الطينة السليمانية.

أماكن نزول عيسى ابن مريم

أما عن مكان نزول عيسى ابن مريم، فقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أماكن متفرقة لنزوله بدليل قوله: (سيأتي

-أي الدجال- الشام وفلسطين بباب لد، فينزل عيسى ابن مريم) رواه احمد. وقوله: (وهم -أي العرب- يومئذٍ قليل وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلى الصبح، فنزل عليهم عيسى ابن مريم) رواه ابن ماجة. وقوله: (فبينما هو -أي الدجال- كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق) رواه مسلم. وقوله: (ثم يجيء عيسى ابن مريم من قبل المغرب) رواه احمد. وفي رواية أخري: (من المشرق). كل هذه الروايات صحيحة بشروطها وموثقة. والمعلوم من هذا النزول المتكرر من تنقل المسيح على ظهر الأرض في عسكر المسلمين لقتال الدجال وأنصاره، فإن النزول من السماء لا يتكرر، كما أنه يستحيل أن ينزل في هذه الأماكن من السماء جميعاً.

ويجب أن نلاحظ أن الصّيغ اللغّوية لهذه الأحاديث تفيد ترتيبها.. فعيسى يجئ من قبل المغرب أولاً ثم في المنارة البيضاء ثانياً، فإن المجيء يسبق النزول وليس العكس، فلا نقول مثلاً: (ينزل عند المنارة البيضاء، ثم يجئ من قبل المغرب). والمنارة البيضاء هي (بغداد) وليست بقعة في دمشق، مع العلم أنه ليس هناك في دمشق حي يقال له المنارة، كما أكد ذلك ابن كثير.

وأن بغداد هي شرقي دمشق، وأُطلق عليها اسم المنارة..يقول الشاعر:

بَغْدَادُ يَا بَلَدُ الرَّشِيْدِ  ***  ومَنَارَةُ المَجْدِ التَّلِيْدِ

فهي منارة الإسلام إذ أن من بغداد أنار نور الإسلام أرجاء الأرض، فكانت بغداد عاصمة الدنيا أيام العباسيين، فهي المنارة بحق وحقيقة. وأن الأحاديث تؤكد ذلك. فعيسى يجيء إلى بغداد من السودان من قبل المغرب، ومن بغداد يجئ من الشرق، إلى عقبة أفيق في الأردن، أو بيت المقدس، وليس من الشمال. فالأردن وبيت المقدس وعقبة أفيق تقع جنوبي دمشق، وإذا جاء إلي القدس من دمشق لجاء من الشمال وهذا لم يرد به نص.

 وصيغ الأحاديث تفيد ترتيب ظهور عيسى، فيظهر في السودان أولاً، ثم يجئ من قبل المغرب من السودان لينزل عند بغداد (المنارة البيضاء) ثم يجئ من المشرق إلى (عقبة أفيق) وبيت المقدس من بغداد. وأي ترتيب غير هذا يعارض الأحاديث بعضها البعض.

 فإمام بغداد (المنارة البيضاء) هو المهدي الذي يحاصره الدجال وهو (صدام حسين) وهو الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: (المهدي منَّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) صحيح أخرجه ابن ماجة.

فالهداية حلَّت علي صدام حسين بصورة مفاجئة، ولم يتوقع أحد من المسلمين أن يكون صدام مهدياً وهو معنى (يصلحه الله في ليلة). فصدام هو المهدي الذي دلت عليه المصادر التجانية (أنه ليس بقطب). والمهدي المنتظر الفاطمي بحق هو عيسى ابن مريم الغوث القطب وإمام الفرقة الناجية.

الفـرق الضـالة والفـرقة الـناجية

إن هذه الدعوة من الفتن الكبرى التي يمتحن فيها إيمان الناس لقوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَـدَقُوا وَلَيَعْلَمَـنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت الآية2-3.

ومن رحمة الله وعدله أن أنزل إلى الناس إماماً مبيناً ليبين لهم طريق الحق من الباطل يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) الأنعام الآية55. فالله سبحانه وتعالى فصل في القرآن كل شيء، فإذا اعترت الناس فتنة لجأوا إلى الله ليعرفوا طريق النجاة يقول صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم أمريين لن تضلوا ما مسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه) رواه مالك في الموطأ وصححه الحاكم. ومن وحي القرآن والسنة يظهر الحق ويظهر في مقابله الباطل وهو معني (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) الأنعام الآية55.

ولما كان الناس أمانة في عنقي أمام الله ورسوله، فإني سوف أفصَّل وأبيَّن لهم طريق الحق من الضلال. ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة، وهذا مما كلفت به.

أما إقناع الناس فذلك ليس من اختصاصي لقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)البقرة الآية 272. ويقول تعالي: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) القصص الآية 55. وقد مكث صلى الله عليه وسلم أكثر من عقد من الزمان في مكة تجادله قريش، ولم يقتنعوا بصحة دعوته، وإنما أيده ونصره سكان المدينة بلا جدال، بل اكتفوا بما سمعوه من الحجيج الذين بلَّغهم صلى الله عليه وسلم.

فالجدل يورث البغضاء، والبغض مدعاة للفرقة والتناحر، فأنا أتجنب المجادلة ما وجدت إلى ذلك سبيلاً، والناس لا محالة مختلفين لقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هود الآية118-119. وقال صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود علي إحدى وسبعين فرقة أو اثنين وسبعين فرقة والنصارى كذلك وتفترق أمتي علي ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟. قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي) رواه أبو داود والترمذي والحاكم وابن حبان وصححوه. والحديث صحيح بشرط القرآن (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) الأنعام الآية 159. وفى رواية أخرى للحديث: (أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاثة وسبعين فرقة، اثنان وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة، وهى الجماعة). ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن الجماعة قال: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي). هذا الحديث هو شرح لقول الله تعالى: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) النساء الآية69. وهذه الآية شارحة لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال أربعون رجلاً من أمتي قلوبهم علي قلب إبراهيم يدفع بهم عن أهل الأرض يقال لهم الأبدال) رواه أبو نعيم عن ابن مسعود. وفي رواية ( كل ما مات رجلٌ أبدل الله مكانه رجلاً) رواه أبو نعيم عن ابن عمر.

وهؤلاء هم الأغواث. والأبدال هم أغواث لأنهم سبب لإغاثة هذه الأمة بالنصر على الأعداء، فالنصر على العدو إغاثة، لقوله تعالى: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) الأنفال الآية 9.

وأغواث أيضاً لسبب حدوث السقيا بهم يقول تعالى: ( وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) لقمان الآية 34. أي المطر. وهؤلاء الأغواث والأبدال على أقدام الأنبياء عليهم السلام. يقول صلى الله عليه وسلم: (يكون في هذه الأمة أربعة على خلق إبراهيم، وسبعة على خلق موسى، وثلاثة على خلق عيسى، وواحد على خلق محمد). هذا الحديث يوضح لنا منزلة المجددين، فهم خلفاء الله، لأن إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم هم أنبياء الله وخلفاؤه. وأن المجددين والمهديين يرثون هذه المقامات، فكل ولى يرث مقام نبي بعينه. وهذا هو السر في كوني وارثاً لمقام الشيخ احمد التجاني خلفاً للشيخ إبراهيم الكولخي، فالشيخ احمد التجاني رضي الله عنه على خُلّق احمد، والشيخ إبراهيم الكولخي على خلق إبراهيم الخليل، وأنا صاحب مقامي بحق وحقيقة. لذلك كانت لي الخصوصية بين المهديين يقول صلى الله عليه وسلم: (لا مهدي إلا عيسى ابن مريم). وأنا هو بذاته وروحه وجسده بلا حلول ولا تناسخ أرواح. وكوني مهدي هذه الأمة جعلت علي خلق محمد صلى الله عليه وسلم وأكد بقوله الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى: (العلماء ورثة الأنبياء). وقال: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) أو كما قال.

ويكون لكل خليفة وارث من هؤلاء زمناً يخصه به الله ليكون غوث زمانه، فيكذبه الضالون، ويصدقه الناجون المؤمنون وتتفاوت درجاتهم على قدر إيمانهم، فأعلاهم الصديقون ثم الشهداء ثم الصالحون. أي كل مجدد وارث لمقام أحد الأنبياء وأصحابه وارثون لمقامات الصحابة رضوان الله عليهم.

فالمقامات الواردة في قوله تعالى: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) النساء الآية 69. ثابته وإنما يستبدل أصحابها، وهذا ما أكده حديث الأبدال السابق بقوله: (ما مات منهم رجل إلا أبدل الله مكانه رجلاً). ومن علم ذلك فهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الفرقة الناجية ( مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). وهذا ما أكده قوله تعالى: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) الرعد الآية7. أي لكل قرن مجدد على خُلق نبي من الأنبياء. وصديقون وشهداء وصالحون على أقدام الصحابة يصدقونه ويشهدون له ويصحبونه. وهذا ما أكده قوله صلى الله عليه وسلم: (ليدركن المسيح من هذه الأمة أقواماً إنهم لمثلكم أو خيراً منكم ثلاث مرات) رواه الحاكم. وهم علي أقدام الصحابة (لمثلكم).

والفوز والنجاة لمن اتبعهم واهتدي بهديهم وهو معنى قوله تعالى: (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا). وهؤلاء هم الفرقة الناجية. وتخالفهم الفرق الضالة فأعلموا ذلك.

ويجب ملاحظة أن الشهداء في الآية السابقة غير شهداء الحرب، وإنما هم أصحاب مرتبة عالية من الإيمان، ويطلق الصوفية على أصحاب هذه المرتبة (أصحاب الكشف) وذلك لأن الله خصهم بنور خاص شهدوا به خصوصية كل نبي أو مهدي أو مجدد، وهم أيضاً الذين يشهدون لكل نبي أو مهدي بأنه بلغ أمانة الله إلى خلقه، وقد ذكرهم القرآن بقوله: ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) غافر الآية51.

ومن هؤلاء الأشهاد أي الشهداء حذيفة بن اليمان، الذي أطلعه الله على أسرار قلوب الناس، فكان يميز بين المؤمن والمنافق، وفى هؤلاء الشهداء يقول تعالـى: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) هود الآية18. فهم حجة الله ورسوله ومهدييه علي الناس يوم الحساب والجزاء.

يقول تعالي عنهم: ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) الزمر الآية69.

فالفرقة الناجية من هذه الأدلة بالكتاب والسنة هي التي تضم في كل حين نبي أو مهدي بعد إنقضاء عهد النبوة وختمها بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده مهدي كل زمان وأنصاره من الصديقين الذين يصدقونه والشهداء الذين يشهدون بصحة دعوته والصالحين الذين يؤمنون به ورفقائهم، فالصديقون والشهداء والصالحون يطلق عليهم في اصطلاح اليوم (صوفية) ورفقاؤهم يطلق عليهم اسم (الأصوليين). فالأصوليون والصوفية على اختلاف طرقهم هم فرقة واحدة هي الناجية، واختلافهم لاختلاف درجاتهم في الدين، وليس اختلاف افتراق. وإلى هذا تشير الآية: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الإسراء الآية21. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أهل عليين يرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء. لتفاضل بينهم. قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء؟. قال: بلي. والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وإن أبا بكر وعمر لمنهما).

وإمام هذه الطائفة نبياً كان أو مهدياً له مقامه الخاص عند الله. ويرى الخاصة من أصحابه مقامه بالكشف الرباني وهم الربانيون الذين ورد ذكرهم في القرآن في أكثر من آية، ومن ذلك قوله تعالي: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) آل عمران الآية146. وهم الشهداء الذين يشهدون بأن النبي أو المهدي مبعوث من عند الله حقاً، والشهادة لا تكون إلا عن مشاهدة ومعاينة في هذا المقام، يقول تعالى: (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) البقرة الآية146. والضالون يجهلون هذه الخصوصية، فيرمون الأنبياء والمهديين بالكذب والجنون والسحر والافتراء على الله، في حين يشهد لهم الشهداء بخصوصية النبوة أو الهداية، وهنا يفترق الناس يقول تعالى في هذا المقام: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) الرعد الآية43. قال تعالى الذي يعرف علم الكتاب يعرف خليفة الله وإمام زمانه كما يعرف أبناءه.

فالفرقة الناجية الآن هم أنصاري إلى الله، وضـل من كذبنـي يقـول تعـالى: ( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) آل عمران الآية55. فإتباع عيسى ابن مريم في زمن الرسالة قطع بإرسال النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتماً للنبيين، إذ هو المتبع لقوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) الأعراف الآية157. ولم يبق من عيسى في زمن الرسالة إلا الإيمان به وبكتابه من غير إتباع. أما عيسى المتبع إلى يوم القيامة فهو المبعوث مهدياً آخر الزمان، وإلى طائفته وأنصاره أشار قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ولا يزال أُناس من أمتي منصورين لا يبالون من خذلهم حتى تقوم الساعة) رواه احمد. وفيه دلالة أنهم من السودان وليس من الشام يفهم ذلك من وحي الحديث (إذا فسد أهل الشام). ومعنى ذلك انه بعد فساد أهل الشام فإن النصر يكون للصالحين في مكان آخر غير الشام وهم أصحاب عيسى إلى قيام الساعة، وهو صريح الآية الموجبة إتباع عيسى بقوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) آل عمران الآية55. وفيه تأكيد ان عيسى يظهر في المغرب اولاً ثم يسير منها متنقلاً في جيوش المسلمين حتى ينزل في الشام ومن ثم الى فلسطين كما دلت على ذلك نصوص الأحاديث والآثار.

الخــاتمة

قال تعالي: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) آل عمران الآية83. كل المخلوقات أسلمت لله بالفطرة وكل من أسلم لله أطاع أمره بإتباع خليفته في الأرض وهو الداعي إلي الله بإذنه ولا يكون في الزمان إلا واحد وإتباعه هو سبب إجماع كلمة الأمة وهدايتها.

ويتفرق من خالفه علي أئمة الضلالة الذين يتصدرون إلي الإمامة بغير سلطان أتاهم وما أكثرهم في كل مكان وزمان وحذر منهم القرآن قال تعالي: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) آل عمران الآية 105. وحث علي إتباع الإمام الحق قال تعالي: (...فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) البقرة الآية 213. والقاعدة التي رسمتها هذه الآية هي: إذا ادعي رجل الخلافة الربانية فالحق مع من اتبعه فهو يمثل الإمام وأصحابه هم جماعة المسلمين الذين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم التزامها حين قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) رواه البخاري ومسلم. وهي التي يمثلها اليوم سليمان أبو القاسم موسي وأصحابه. هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي والحمد لله والسَّلامُ علَى عِبَادَهُ الَّذِينَ اصْطَفَى.

 

ملحق : العموم في الطريق المحمدي:

أخذت الطريقة الأحمدية المحمدية الإبراهيمية الحنيفية التجانية في أكتوبر عام 1979م.

 وثبتني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ التقيت به مع اصحابه. وقفت أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسط خلفاءه في المكان الذي يقف فيه عمر بن الخطاب وكان ذلك في صبيحة اليوم الذي أخذت فيه الطريقة.

في أم جميّنا في ربيع الأول عام 1400هـ التقيت بالشيخ احمد التجاني وقال لي: إنى أخذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم موثقاً فيظهر النبي عليه الصلاة والسلام ويشير بإصبعه إلى الشيخ احمد التجاني ويقول له: ( أصحابك أصحابي) وفى الحريكة في صبيحة ليلة 27 رمضان عندما هممت بالنهوض لصلاة الصبح فإذا بي أرى في تمام اليقظة والصحو الرسول صلى الله عليه وسلم والشيخ إبراهيم الكولخى ويوجه الرسول صلى الله عليه وسلم الخطاب لي مشيراً إلى الشيخ إبراهيم الكولخى ويقول: ( انه الشيخ إبراهيم اطمئن) وكان ذلك المشهد رداًّ لتساؤل خطر ببالي في نهار 26 رمضان فقلت في نفسي لقد استوثقت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق التجاني في أم جمّينا ولم استوثق منه عن الشيخ إبراهيم الكولخى؟. فكان المشهد رداً مباشراً على تساؤلاتي.

وبعد صلاة صبح الأحد 20 محرم 1427هـ الموافق 19/2/2006م التقيت الرسول صلى الله عليه وسلم وأمرني بترك صلاة الفاتح لما أغلق وترك الطريقة التجانية فقلت له لي ولأصحابي _أي الترك_ فقال صلى الله عليه وسلم لك ولأصحابك فتركت الطريقة التجانية وأمرت أصحابي بتركها وهنا وقع العموم في الطريق المحمدي بإتباع الكل لشخصي كما في قوله تعالى: ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) آل عمران الآية 55.


الملحق (من المنشور رقم (62) كردفان كوفة المهدي)

الملخص

حديث رقم(8) في شرح قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " (المائدة 54).

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): "سيأتي الله بقوم يحبهم الله ويحبونه، ويملك من هو بينهم غريب، فهو المهدي، أحمر الوجه، بشعره صهبة، يملأ الأرض عدلاً بلا صعوبة يعتزل في صغره عن أمه وأبيه، ويكون عزيزاً في مرباه، فيملك بلاد المسلمين بأمان، ويصفو له الزمان، ويسمع كلامه ويطيعه الشيوخ والفتيان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً "(ينابيع المودة للقندوذي: صفحة 467).

أقـول:

فأنا عيسى بن مريم المهدي سليمان الغريب الذي جاء من بعيد فيناصرني السودان رعاة الإبل ( ثوار دارفور) بعد أن كفر بدعوتي غيرهم. أما المسيرية أهلي الذين نشات وسطهم ليعلموا أن الفضل بيد الله يهبه لمن يشاء من عباده. وقوله: "يعتزل في صغره عن أمه وأبيه" لا تعني إختفاؤه عن الأنظار كما فهم فقهاء الشيعة وإنما هي حدث وقع لي في صغري فقد كنت أسير مع الرعاة تجاه بحر العرب وأترك خلفي والدي ووالدتي وهما يقومان بحصاد وجمع ما تم زراعته في فصل الخريف. وقد تكرر هذا الحدث كثيراً ليعطي المعنى المراد في الحديث بقول أمير المؤمنين(عليه السلام)" يعتزل في صغره عن أمه وأبيه".

عن يسير بن جابر قال :" هاجت ريح حمراء بالكوفة ... فاذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام ". صحيح مسلم (كتاب الفتن وأشراط الساعة) باب إقبال الروم في كثرة القتل عند خروج الدجال حديث رقم 2899.

بقية أهل الإسلام هم ثوار دارفور أنصار شخصي المسيح المهدي المحمدي سليمان أبي القاسم موسى ـ وهم السودان رعاة الإبل صفوة ثلة الآخرين يقول تعالى في محكم التنزيل: " {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ *وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" سورة الجمعة الآيات (2- 4) .

الآخرون الذي لم يعاصروا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، هم أنصاري لله عز وجل، السودان رعاة الإبل ـ ثوار دارفور وشخصي سليمان المسيح المهدي هو هادي ثلة الآخرين كما كان النبي الأمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو هادي ثلة الأولين . ومن ثم، فاليوم الرابع هو لحظة مجيئي وبرفقتي السودان رعاة الإبل الأعاجم قادماً من دارفور ـ خراسان الغرب الى كردفان ـ الكوفة دار المسيرية لمواجهة الدجال الأمريكي الصهيوني فتقع المعركة الموصوفة في الحديث وأهزم الدجال بوعد الصدق الذي لا مراء فيه.

حديث رقم(9) عن جابر الجعفي قال: قال لي محمد بن علي الباقر( عليه السلام): "يا جابر ان لبني العباس راية ولغيرهم رايات فإياك ثم إياك ثلاثاً حتى ترى رجلاً من ولد الحسين (عليه السلام) يبايع له بين الركن والمقام معه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله ومغفر رسول الله صلى الله عليه وآله ودرع رسول الله صلى الله عليه وآله وسيف رسول الله صلى الله عليه وآله". ( معجم أحاديث الامام المهدي - ج -3- حديث رقم 772).

أقول:

إن الرايات التي تتصارع بالكوفة دار المسيرية اليوم هي رايات بني العباس الثلاثة ثم تعقبها راية السفياني الدجال الأمريكي، ثم تجيئ راية شخصي المهدي سليمان. وهي الراية السوداء القادمة من خراسان الغرب وبرفقتي السود الجعد ثوار دارفور وهذه هي راية الرجل من ولد الحسين(عليه السلام) شخصي الذي يبايع بين الركن والمقام (دارفور مكة القائم) بعد أن يكتمل الصف ببيعة الثوار لشخصي المسيح المهدي سليمان ولله الحمد. وإكتمال الصف الإيماني هو المعبر عنه بالأثر المروي . عن الأمام الباقر(عليه السلام) بقوله: "لا يخرج المهدي حتى يكتمل بيته" (بشارة الأسلام).

البيت هنا هو طائفة أهل الإيمان السودان رعاة الإبل. ويشير إلى معنى البيت كصف إيماني قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) الصف الآية (4). وأذكر أثناء وجودي بقرية الحريكة مابين عامي (1997م - 1998م) خاطبني الحق عزوجل بقوله:

"سأمسك بالعدو لحين إكتمال الصف ثم أقذف به في جهنم". وسأجئ على قدر وأمر من الله عزوجل من دارفور( مكة القائم) إلى الكوفة لأدفع عن أهلها شر الدجال وبطشه ليتحقق الخبر المروي عن الصحابي حذيفة بن اليمان بقوله: "يا أهل الكوفة أنتم أسعد الناس بالمهدي" ( كنز العمال-ج14) .

جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في باب اسباب النزول لسورة الواقعة لـلـ(نيسابوري) "... لن تستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان السود الجعد اصحاب الجلاليب رعاة الإبل من شهد أن لا إله إلا الله". المصدر:(النيسابوري- أسباب النزول). فعند وصولي إلى دارفور يجب على أهل دارفور أن يبايعوني على السمع والطاعة متى ما ذهبت إليهم، عند مكة (دارفور).

فقد أثبتُّ أن الكوفة هي ليست كوفة العراق بل هي كردفان وأن مكة هي ليست مكة المكرمة في الجزيرة العربية بل هي دارفور(مكة القائم)

(منقول من كتاب اليماني ) من فكر السيد ابي عبد الله الحسين القحطاني:

"... وهناك في المهجر ستأخذ الدعوة إطاراً أوسع وأكثر انتشاراً مما كانت عليه في السابق

بل ربما يتمكن اليماني وأتباعه من الوصول لحكم تلك البلاد وبالتالي تأسيس جيش بكافة معداته ... وقد بينا إن لدعوة الإمام المهدي (عليه السلام) شبهاً كبيراً بدعوة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما)، ثم انه ما أن تتاح الفرصة لليماني ويحين الوقت الملائم حتى يبدأ بحركته العسكرية باتجاه الكوفة  فهذا المكان هو الكوفة ( مكة الإمام المهدي وليست مكة المكرمة حسب التأويل ".أهـ.

المصدر : المصدر : http://noon-52.com/vb/showthread.php?t=7265